الشجيفي: جوهر القيادة.. الوطنية قبل الكفاءة طريق لإنقاذ الأمم وبناء المجد
أكد الكاتب حافظ الشجيفي، في مقال له، أن الوطنية ليست مجرد شعارات ترفع، بل هي نبض في القلب وقوة حقيقية تصنع القادة وتبني الأمم.
في مسرح السياسة العتيق، حيث تتشابك خيوط الكفاءة والخبرة والمؤهلات، غالبًا ما يُرفع تمثالٌ ضخمٌ للمخضرمين واصحاب الخبرات والشهادات،على اعتقاد أن صرير الآلات الإدارية لن يهدأ إلا بعزفٍ متقنٍ من أنامل النخبة الأكاديمية والقيادية المتمرسة. لكن، في منعطف مفاجئ وغير مألوف، نجد أنفسنا أمام حقيقة صارخة تتجاوز كل هذه المقاييس التقليدية، حقيقة لا تُدرّس في أرقى الجامعات ولا تُكتسب بالتدريب المتواصل تتمثل في الوطنية، تلك القيمة الجوهرية التي هي الأساس الحقيقي لكل نجاح، وقبلةُ كل إخلاص، ونبضُ كل إصلاح.
فالمغالطة الكبرى التي نعيشها اليوم تتمحور في الاعتقاد بأن الأزمة تكمن في شح الكفاءات السياسية والإدارية والعسكرية. الا إن نظرة فاحصة على المشهد العام تكشف أننا لسنا في حالة عوز للسياسيين المخضرمين أو الكفاءات العالية أو القيادات العسكرية المتدربة؛ بل ربما نملك منها فائضًا كميًا لا يُستهان به. لكن المصيبة لا تكمن في الكم، بل في الكيف الغائب، وتحديدًا في الافتقار إلى الوطنية الصادقة وقيم الإخلاص الوطني. هذا هو اللغز الذي يجب حله، وهذا هو النقص الذي يدمر الأمم.
فما قيمة السياسي المخضرم إذا تجرد من الوازع الوطني؟ حيث يتحول إلى مجرد بهلوان مستهتر يمارس ألاعيبه الخطرة على مسرح الوطن، مستبيحًا مقدرات شعبه وثرواته لمصالح ضيقة. وما شأن الكفاءات العلمية والإدارية إذا كانت بلا إخلاص وطني راسخ؟ حين تغدو أدوات طيعة، يتم استغلالها وتُحرّيكها لمصلحة أطراف أخرى، داخلية أو خارجية،لا يهمها سوى تنفيذ الأجندة، ولو كان ثمنها التضحية بالمصير الوطني. والأشد خطرًا هي تلك القيادات العسكرية المتدربة التي تتخلى عن حسها الوطني النبيل؛ وبدل أن تكون درعًا للشعب وحامية للحدود، تصبح سيفًا مسلطًا وخطرًا يهدد الأمن والسلم الداخلي. فالكفاءة بلا وطنية كالسيف الحاد في يد القاتل؛ قد يؤدي وظيفته ببراعة، لكنه يوجهها نحو الهلاك.
التاريخ يزخر بشواهد تنير هذه الحقيقة بوضوح صارخ. ففي الجنوب ، لم يكن سالم ربيع علي (سالمين) بحاجة إلى ركام من الشهادات العلمية والمؤهلات الدراسية ليقود مرحلة مهمة من تاريخ الجنوب. فقد كان سلاحه الأقوى هو الإخلاص الوطني وحده، الذي مكّنه من تأسيس دولة قوية رغم شح الإمكانات والخبرات المتوفرة حينها. وفي الشمال ، سار الرئيس إبراهيم الحمدي على ذات الدرب، حيث انطلق من نقطة الصفر ليؤسس لدولة حديثة، متكئًا على عكاز الوطنية المخلصة.
هذا المبدأ لم يكن حكرًا على تجربة واحدة فالزعيم العربي جمال عبد الناصر، الذي نال مؤهله العسكري من الكلية الحربية، حكم مصر ورفع شأنها ليس بفضل ذلك المؤهل العسكري، بل بفضل الوطنية المتجذرة في وجدانه. بل ان المفارقة المأساوية تكمن في أن نكسة وهزيمة 1967 كشفت لاحقًا أن القيادة المباشرة للجيش المصري، التي كانت تمتلك مؤهلات عسكرية عالية، قد تخلت عن الوطنية في اللحظة الحاسمة، مما حول الكفاءة العسكرية إلى عبء لا طائل منه. ومثله الرئيس الجزائري هواري بومدين، وغيره كثير من قادة العالم الذين صنعوا مجدًا مشرقًا وعظيمًا لشعوبهم وأوطانهم بالوطنية وحدها.
إن الوطنية هي أس القيادة الحقيقية، فهي القوة الخلاقة الصانعة للمجد، والضمانة الأكيدة للنجاح والبوصلة الأخلاقية التي توجه كل كفاءة وكل خبرة نحو الهدف الأسمى في خدمة الوطن والشعب. وفي حين أننا قد نتخلى في حالات كثيرة عن الكفاءة أو المؤهل أو الخبرة، إلا اننا لا يمكن البتة ان نتخلى عن الوطنية. فبالوطنية تُبنى الأوطان الشامخة، وتصنع الشعوب القوية، وتخلَق الامجاد العظيمة. وكما يقول الفيلسوف الإيرلندي إدموند بيرك: "كل ما هو مطلوب لانتصار الشر هو أن يقف الرجال الأخيار مكتوفي الأيدي"، ونحن نقول: كل ما هو مطلوب لانهيار الأمم هو أن يتولى قيادتها من لا يمتلكون حسًا وطنيًا وإخلاصًا حقيقيًا.
فمصيبتنا كعرب تكمن في أننا نمتلك الكفاءة العالية في شتى المجالات، ولكننا نعاني من أزمة خانقة في الوطنية. هذه الأزمة هي المدمر الصامت الذي نخر في بناء أمتنا وشتت جهودها. ونحن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة ماسة إلى قادة وطنيين مخلصين لأن هذه القيمة لا تُدرَّس في الجامعات كمهارة، بل هي قيم وأخلاق ومُثُل تُزرع في الوجدان وتُصقَل بالتضحية والعطاء.
الحكمة البليغة هنا تكمن في أن "الوطنية ليست قطعة قماش تُلَف حول الجسد او ترفع في السماء او على السواري، بل هي نبض في القلب يدفع نحو العمل الصادق".وعندما تجتمع الوطنية مع الكفاءة، يصبح القائد إعصار خير، ولكن إذا خُيّرنا بين الاثنين فالوطنية هي الكفة الراجحة، لانها هي التي تضمن أن كل كفاءة ستُسخَّر لخدمة الأمة لا لتدميرها أو الاستئثار بخيراتها.
فهل نعي حجم الأزمة الوطنية التي نعاني منها، ونبدأ فعلياً بالبحث عن القادة الذين يحملون شعلة الإخلاص في قلوبهم قبل أي مؤهل آخر؟