الاحتلال البريطاني طويل الامد في الجنوب ..
يسلم الحفشاء
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يظل الجنوب ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ، وميدانًا تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية وفي هذا المشهد المعقد، تبرز تساؤلات عميقة حول الأدوار التي تلعبها القوى الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا، التي ارتبط تاريخها بالجنوب ارتباطًا لا يمكن فصله عن حاضر الأحداث.
لقد خرجت بريطانيا رسميًا من الجنوب عام 1967م، بعد حقبة استعمارية طويلة، لكنها – في نظر كثيرين – لم تغادر فعليًا من حيث التأثير والرؤية الاستراتيجية فالدول الكبرى لا تتخلى بسهولة عن مناطق ذات أهمية جيوسياسية، خصوصًا إذا كانت تتحكم بممرات بحرية حيوية وتتمتع بموقع استراتيجي بالغ الحساسية كما هو حال الجنوب.
وتقوم السياسات البريطانية، وفق هذا الطرح، على النفس الطويل، حيث لا تعتمد على المواجهة المباشرة بقدر ما ترتكز على إدارة النفوذ عبر أدوات إقليمية ومحلية فبدلًا من الحضور العسكري الصريح، يتم توظيف قوى أخرى لتنفيذ الأهداف المرسومة، بما يحقق الغاية دون تحمل الكلفة السياسية أو الأخلاقية المباشرة.
في هذا السياق، يُشار إلى أن المرحلة السابقة شهدت – بحسب هذه الرؤية – إسناد أدوار محورية لدولة الإمارات، ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، لكن مع تزايد الجدل وكشف بعض التوجهات، أعيد تشكيل المشهد بطريقة مختلفة، لتبرز السعودية كلاعب رئيسي، مدعومة بأطراف محلية، في محاولة لإعادة صياغة التوازنات بما يخدم ذات الأهداف بعيدة المدى.
هذا الأسلوب القائم على “إدارة النفوذ عبر الوكلاء” ليس جديدًا في السياسة الدولية، بل هو نهج متكرر في مناطق عديدة من العالم، حيث يتم توجيه الأحداث من خلف الستار، بينما تظهر القوى الإقليمية في واجهة المشهد وهنا تكمن الإشكالية، إذ يصبح من الصعب على الشعوب التمييز بين الفاعل الحقيقي والأداة المنفذة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن ما يجري اليوم لم يعد خافيًا، وأن الوعي الشعبي في الجنوب بدأ يتشكل بشكل أكثر وضوحًا، كاشفًا طبيعة هذه السياسات ومآلاتها. فالتجارب المتراكمة، والواقع الملموس، جعلا كثيرًا من الناس يعيدون قراءة الأحداث بعيدًا عن الشعارات، وينظرون إلى النتائج على الأرض.
غير أن قراءة المشهد تظل متعددة الزوايا، فهناك من يفسر هذه التحركات في إطار المصالح الدولية التقليدية، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مخطط لإعادة “الاحتلال” بصورته الكلاسيكية، بينما يرى آخرون أن الأشكال الحديثة للنفوذ قد تكون أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا، لكنها لا تقل تأثيرًا.
في النهاية، يبقى الجنوب أمام تحدٍ كبير يتمثل في بناء وعي سياسي جامع، قادر على فهم تعقيدات الواقع، وتمييز المصالح الحقيقية من الأجندات الخارجية، والعمل على صياغة مشروع وطني مستقل، يحفظ الأرض والقرار، بعيدًا عن صراعات الآخرين وأدواتهم.
فالرهان الحقيقي ليس فقط في كشف الأدوار الخارجية، بل في قدرة الداخل على التماسك، وصناعة مستقبله بإرادته، لا أن يكون مجرد ساحة تُدار فيها حسابات القوى الكبرى.