أخبار وتقارير

يحيى الطفي: الأبواق المهزومة إلى أين تتجه أخيرًا؟


       

قال المستشار د. م علي يحيى الطفي إن المشهد السياسي في اليمن بلغ مرحلة الانكشاف الكامل، تلك المرحلة التي لا تعود فيها الأقنعة قادرة على الصمود، ولا يعود فيها التلاعب بالمصطلحات مجديًا لإخفاء الحقائق. فحين يخرج مسؤول رفيع محسوب على ما يُسمّى بالشرعية ليعلن، صراحة أو مواربة، الاستعداد للتحالف مع مليشيا الحوثي بذريعة الحفاظ على “الوحدة”، فإننا لا نكون أمام مجرد تصريح عابر، بل أمام لحظة مفصلية تكشف جوهر الأزمة اليمنية منذ جذورها الأولى.

وأضاف أن هذا التصريح ليس انحرافًا عن الخط، بل هو التعبير الأكثر صدقًا عن حقيقة منظومة سياسية هشة لم تكن يومًا مشروع دولة، بل كانت خليطًا من البنى القبلية، والولاءات المتناقضة، والمصالح الضيقة، التي استخدمت مفردات الدولة كغطاء مؤقت، لا كقناعة راسخة. شرعية لم تُبنَ على مفهوم السيادة، ولم تتحرك بمنطق المسؤولية الوطنية، بل بمنطق البقاء بأي ثمن، ولو كان الثمن التحالف مع جماعة طائفية مسلحة مدعومة من إيران، دمّرت اليمن، وهددت أمن الإقليم، وعبثت بالملاحة الدولية.

وأشار إلى أن القبول المبدئي بالتحالف مع الحوثي يكشف أن هذه “الشرعية” لم تكن ترى في المشروع الإيراني خطرًا استراتيجيًا، بل خصمًا قابلًا للتفاوض، وأن عداءها الحقيقي لم يكن موجّهًا ضد من انقلب على الدولة، بل ضد كل من حاول كسر احتكارها للسلطة والثروة. وهنا تتضح المفارقة الكبرى: من يرفع شعار الوحدة مستعد للتنازل عن الدولة، ومن يتحدث عن الجمهورية لا يتردد في تسليمها لمليشيا طائفية إذا تعارضت مع مصالحه.

وتابع أن هذه ليست أزمة خطاب، بل أزمة هوية سياسية، إذ إن هذه المنظومة لا تخضع للعروبة كمنظومة قيم، ولا للإسلام كمرجعية أخلاقية، بل تتحرك وفق الولاءات القبلية حينًا، وتتناغم مع الحوثي حينًا، وتنسج صفقات إقليمية حينًا آخر، وتبدّل تحالفاتها بحسب اتجاه الريح. ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتحول “الوحدة” إلى أداة ابتزاز سياسي تُستخدم لتجريم شعب كامل، بينما يُفتح الباب واسعًا أمام من مزّق الوطن وارتكب أبشع الجرائم بحق اليمنيين.

وأوضح أنه في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما جرى في حضرموت والمهرة خارج إطاره الحقيقي. فهذه الخطوات لم تكن فعلًا عدائيًا، ولا خروجًا عن الإجماع، بل كانت إجراءً تصحيحيًا ضروريًا أعاد ضبط المشهد قبل أن ينفلت، ورسالة واضحة بأن ترك الفراغ لا يعني الحياد، بل يعني تسليم الأرض للمشاريع المعادية. لقد شكّلت تلك الخطوات لحظة وعي جماعي أعادت ترتيب الأولويات، ووضعت الأمن والاستقرار في مكانهما الصحيح، وأكدت أن حماية الجغرافيا شرط أساسي لحماية السياسة.

وأكد أن المجلس الانتقالي الجنوبي أثبت، قولًا وفعلًا، أنه الفاعل الأكثر وضوحًا وثباتًا في المشهد اليمني. لم يتبنَّ خطابًا مزدوجًا، ولم يبدّل تحالفاته، ولم يناور بين المشاريع المتناقضة. لقد اختار موقعه بوضوح داخل الصف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج العربي، صف حماية الأمن القومي، وصون حرمات العروبة والإسلام، ومواجهة الإرهاب والتطرف، والتصدي للمشروع الإيراني الذي يتغذى على الانقسام والفوضى.

واستطرد بالقول إن الجنوب شكّل خلال السنوات الماضية خط الدفاع الأول عن أمن المنطقة، من خلال تأمين السواحل والممرات البحرية، ومكافحة شبكات التهريب، وضرب التنظيمات الإرهابية، في وقت كانت فيه أطراف أخرى غارقة في صراعاتها الداخلية، أو منشغلة بإدارة التوازنات القبلية، أو مستعدة لعقد الصفقات مع الحوثي متى ما ضمنت بقاءها السياسي.

وبيّن أن محاولة تصوير المجلس الانتقالي الجنوبي أو شعب الجنوب كخطر على الاستقرار، في الوقت الذي يُشرعن فيه التحالف مع الحوثي، تمثل ذروة التناقض السياسي، وتؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في الجنوب، بل في بنية سياسية عاجزة عن الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الدولة. لقد اختار الجنوب أن يكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من الأزمة، وأن يصطف بوضوح مع محيطه العربي، لا أن يناور بين العواصم.

وأضاف أن الصراع في اليمن اليوم لم يعد صراع شعارات، بل صراع مشاريع. مشروع عربي واضح، يقوم على الشراكة، والسيادة، ومحاربة الإرهاب، ورفض الهيمنة الخارجية، ومشروع آخر مأزوم، مستعد للتحالف مع إيران وأدواتها تحت أي مسمى، طالما ضمن استمرار نفوذه. وبين هذين المشروعين، لا مكان للرماديات، ولا قيمة للخطابات المزدوجة.

وأوضح أن ما يحدث ليس تمردًا، وليس انقسامًا عبثيًا، بل عملية فرز تاريخية لا مفر منها، فرز بين من ينتمي فعليًا إلى منظومة الأمن العربي، ومن يستخدم مفرداتها حينًا ويتخلى عنها حين تتعارض مع مصالحه. ومن يقرأ الوقائع بموضوعية يدرك أن الجنوب اختار الطريق الصحيح، الطريق الذي يحمي الأمن والاستقرار، ويحفظ سيادة الدولة، ويصون العروبة والإسلام، ويرسخ الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي.

وختم بالقول: هنا تُقال الحقيقة كاملة؛ من تحالف مع الحوثي سقط، ومن ارتهن لإيران انكشف، ومن وقف مع السعودية والخليج والجنوب ثبت، والتاريخ لا يرحم من اختار الوقوف في الجهة الخطأ حين كانت الحقائق واضحة، والخيارات محددة، واللحظة لا تحتمل التردد.

واختتم المستشار حديثه بالتأكيد على أن المجلس الانتقالي الجنوبي أصبح، في ضوء هذه المعطيات، ليس فقط شريكًا عربيًا موثوقًا، بل درعًا استراتيجيًا للأمن القومي العربي في مواجهة المشاريع المعادية، وحصنًا ضد أي محاولات لتقويض الاستقرار أو ابتزاز الدولة العربية بمفاهيم وهمية للوحدة أو الوطنية. وهكذا يتضح للجميع أن الجنوب ليس تهديدًا، بل عامل قوة، ومكمل للاستقرار الإقليمي، ورافد أصيل للعروبة والإسلام، بينما فضح من تحالف مع الحوثي حقيقة انهيار مشروعه الأخلاقي والسياسي.