أخبار وتقارير

الشجيفي: جراح البيت الواحد.. عن الاستقواء بالبعيد على القريب


       

قال الكاتب حافظ الشجيفي، إن المنطق الإنساني في جوهره ليس سوى ترتيبٍ ضروري لغرائز البقاء حين تهذبها الحكمة، مشيرًا إلى أن الأمثال العربية ليست ترفًا لغويًا، بل تقارير نفسية واجتماعية صاغها العقل الجمعي لضبط دوائر الانتماء وتحديد أولويات الولاء.

وأضاف أن المثل الشائع: «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب» لا يهدف إلى تسلية لفظية، بل يمثل دستورًا اجتماعيًا صارمًا، يؤكد أن الرابطة تشتد كلما ضاقت دائرة الانتماء، وأن الخلافات البينية يجب أن تتلاشى أمام التحديات القادمة من الدوائر الأوسع.

وتابع أن العقل والفطرة السليمة يفرضان أن تكون المصلحة العليا هي البوصلة، مؤكدًا أن تمزيق نسيج القرابة لصالح الخصم لا يستقيم لا أخلاقيًا ولا سياسيًا، وأن ما يشهده الواقع الجنوبي اليوم يتجاوز كونه خلافًا سياسيًا إلى كونه اختبارًا أخلاقيًا عميقًا لقدرة الجنوبيين على التماسك كإخوة في مواجهة تحديات الخارج.

وأشار الكاتب إلى أن الجوار الشمالي يأتي – في هذا المنطق الاجتماعي – في مرتبة “ابن العم”، وأن الاعتداء أو الخلاف معه يجب أن يوحد الإخوة لا أن يفرقهم، لأن استهداف أحدهم هو في جوهره استهداف للكيان المشترك، والتغافل عن ذلك ضرب من عمى البصيرة وسوء تقدير المآلات.

ولفت إلى مفارقة خطيرة تتمثل في قلب هذه الموازين، حين يدّعي الطرف الآخر الأخوّة بينما يمارس الهيمنة، ويزعم القربى لانتزاع الحقوق، بل ويستعين بقوى أبعد – كالمملكة العربية السعودية – لضرب من يصفهم بالأشقاء، معتبرًا ذلك شذوذًا صارخًا في منطق الاجتماع البشري.

وأكد أن هذا السلوك يعكس انفصامًا بين الحكمة الموروثة والممارسة السياسية، وداءً عضالًا أصاب الثقافة السياسية العربية، حيث تحولت الاستعانة بالأغراب إلى أداة لتصفية الحسابات داخل البيت الواحد، فاختل المنطق وضاعت الهيبة.

وختم الكاتب بالتأكيد على أن المنطق السليم لا يتجزأ، وأن الالتزام بسلم الولاء الطبيعي هو الضمانة الوحيدة للبقاء في عالم لا يحترم إلا الكيانات المتماسكة، محذرًا من أن خذلان الأخ لأخيه تمهيد لخذلان النفس أمام الغريب، وأن من قدّم البعيد على القريب انتهى وحيدًا، لا أخ يحميه ولا قريب يهابه.