أخبار وتقارير

نجيب عسكر يستعرض آثار الحرب على المنظومة التعليمية في اليمن


       

أكد الكاتب السياسي نجيب عسكر أن قطاع التعليم في اليمن يمثل اليوم أحد أكبر ضحايا النزاع المستمر، حيث تجاوزت التداعيات مجرد الأضرار المادية لتشمل شللاً هيكلياً أصاب المنظومة التعليمية بأكملها. لقد مست هذه الأزمة جوهر العملية التعليمية، بدءاً من القدرة على الوصول إلى المدارس، مروراً بجودة المناهج، وصولاً إلى استدامة المؤسسات. ومن خلال القراءة التحليلية للبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية، يمكننا تلخيص حجم هذه المأساة في عدة محاور جوهرية:

وجاء في مقال عسكر:

أولاً: تدمير البنية التحتية واغتيال الأمان

لقد كانت المنشآت التعليمية في مرمى النيران، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مما حرم ملايين الأطفال من بيئة تعلم آمنة. وتؤكد الأرقام أن آلاف المدارس تعرضت للدمار الكلي أو الجزئي، بينما تحولت مئات المدارس إلى ملاجئ للنازحين، مما عطل العملية التعليمية وأضعف القدرة الاستيعابية للمؤسسات.

 

ومع دخول عام 2026، بلغت الأزمة مستويات غير مسبوقة؛ حيث جعل الانهيار الإنساني والتصعيد العسكري من استمرار التعليم تحدياً يفوق القدرات المحلية، وتحولت المدارس في كثير من المناطق إلى مجرد "مراكز صمود" تفتقر لأدنى المقومات، مما يهدد بضياع جيل كامل تحت وطأة الألغام ومخلفات الحرب التي باتت تهدد طريق الأطفال نحو مدارسهم.

 

ثانياً: انهيار الكادر التعليمي ونزيف الكفاءات

يُعد انهيار منظومة الحوافز والدعم المالي للمعلمين أحد أعمق التحديات التي تواجه التعليم. فمنذ عام 2016، لم يتلقَّ نحو ثلثي الكادر التعليمي رواتبهم بانتظام نتيجة الانقسام السياسي والمالي، مما دفع الآلاف منهم للهجرة من المدارس بحثاً عن مصادر دخل بديلة. هذا الانهيار ليس مجرد أزمة معيشية، بل هو تهديد مباشر لتآكل رأس المال البشري الذي لا يمكن إعادة بناء التعليم دونه. إن الاعتماد شبه الكلي على المنح الدولية الطارئة جعل المنظومة هشة، مما يستدعي ابتكار أوعية تمويلية وطنية مستدامة.

 

ثالثاً: تفاقم التسرب والعزلة الرقمية

تشير التقديرات الحديثة إلى خروج أكثر من 4.5 مليون طفل من المدارس، وهو ما يمثل نحو 39% من الأطفال في سن الدراسة. هذا النزيف التعليمي يتجاوز الحرمان من المعرفة إلى تهديد السلامة الجسدية والنفسية؛ حيث يصبح المنقطعون أكثر عرضة للتجنيد القسري أو الزواج المبكر.

 

وعلى صعيد آخر، يعاني الطالب اليمني من "عزلة رقمية" خانقة؛ فغياب الكهرباء والإنترنت جعل الحلول التكنولوجية والتعليم عن بُعد غير متاحة للغالبية، مما ينذر بنشوء أجيال تعاني من "أميّة تقنية" في عالم لا يعترف إلا بالرقمنة لغةً للعصر.

 

رابعاً: تسييس التعليم وتكريس الانقسام

لعل أخطر ما واجهه التعليم هو محاولات تحويل المدرسة من محضن للعلم إلى ساحة للتعبئة الأيديولوجية. لقد برز تحدي تسييس المناهج وإقحام الأجندات السياسية، مما أفرغ العملية التعليمية من حيادها العلمي. وبينما بقيت المناهج في بعض المناطق تراوح مكانها دون تحديث يواكب العصر، شهدت مناطق أخرى تعديلات تخدم فكراً معيناً، مما أسفر عن ازدواجية معرفية وقيمية بين أبناء الجيل الواحد، ويهدد الهوية الوطنية الجامعة.

 

خامساً: الطبقية التعليمية وشلل البحث العلمي

أدى تدهور التعليم الحكومي إلى ظهور فجوة حادة بين تعليم خاص متاح للمقتدرين، وتعليم حكومي متهالك يفتقر للمقومات. هذا الانقسام يكرس "الطبقية المعرفية" ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص، مما يغذي الإحباط ويهدد السلم الاجتماعي مستقبلاً.

 

ولم يتوقف الأمر عند التعليم الأساسي، بل امتد ليشمل التعليم العالي؛ حيث تحولت الجامعات من مراكز للابتكار إلى مؤسسات للتدريس التقليدي نتيجة هجرة الأكاديميين وانعدام موازنات البحث العلمي. إن هذا الانهيار يعني غياب القيادة المعرفية اللازمة لإدارة خطط إعادة الإعمار، مما يجعل البلاد مرتهنة للخبرات الأجنبية ويقوض السيادة الوطنية في اتخاذ القرار التنموي.