أخبار وتقارير

نزار الخالد: تعز بين الذاكرة والألم… مدينة تصارع البقاء وسط التحولات الصعبة


       

قال الكاتب نزار الخالد إن ليست كل المدن التي تسقط تُهزم، لكن بعض المدن تُغتال ببطء، بدمٍ باردٍ وصمتٍ أثقل من الرصاص، مشيرًا إلى أن تعز تبدو اليوم كمدينة لا تعاني حربًا فحسب، بل كيانًا يُستنزف من داخله ويُعاد تشكيله قسرًا بصورة لا تشبهه.

وأضاف الخالد أن تعز، التي كانت يومًا عاصمة للثقافة ونافذة للوعي، تحولت إلى مسرح مفتوح للدم ومختبر للفوضى ومخزن للألم المؤجل، حيث تختلط صرخات الضحايا بضجيج البنادق، وتُدفن الأحلام تحت ركام الشعارات.

وأوضح الكاتب أن المأساة في تعز لا تأتي منفردة، لافتًا إلى أنها لا تُقصف فقط، بل تُدار بخلل عميق في البوصلة والقرار، وفي تعريف من يملك السلاح ومن يملك الحق، مشيرًا إلى أن المدينة تُذبح مرتين: مرة على يد ما يُحسب على الشرعية، ومرة أخرى على يد مليشيا الحوثي الإرهابية، وكلاء إيران، في مشهد يعري الجميع ولا يُبرّئ أحدًا.

وأشار الخالد إلى أن الصورة في الجانب الأول أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث تُحكم قوى مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين قبضتها على القرار السياسي والعسكري، محولة مؤسسات الدولة إلى أدوات نفوذ لا أدوات حكم، موضحًا أن السلاح لم يعد بيد الدولة بل بيد جماعات تتحدث باسمها، وأن الأمن لم يعد وظيفة وطنية بل امتيازًا يُمنح وفق مقاييس الولاء، في ما وصفه بانقلاب صامت على فكرة الدولة ذاتها.

وأضاف أن تعز دخلت منعطفًا حادًا منذ أحداث 11 فبراير 2011، حيث لم يكن ذلك الحراك مجرد تحول سياسي عابر، بل بوابة فتحت المجال أمام تيارات متشددة ومسلحة، مشيرًا إلى أن شعارات التغيير التي رُفعت حينها أعقبها، بحسب منتقدين، انزلاق إلى حالة من الفوضى، تدفقت خلالها الجماعات المسلحة وتقاطعت الأجندات واختلطت الشعارات بالبندقية.

ولفت الخالد إلى أن تعز على امتداد خمسة عشر عامًا لم تتوقف عن النزيف، إذ لم تستثنِ الاغتيالات ضباطًا أو أئمة أو صحفيين أو ناشطين أو شخصيات اجتماعية، معتبرًا أن الموت أصبح خبرًا عاديًا في المدينة، وأن النجاة تحولت إلى معجزة مؤقتة.

وأشار الكاتب إلى أن اغتيال قائد اللواء 35 عدنان الحمادي يمثل رمزًا لمرحلة كاملة، مؤكدًا أن الحادثة لم تكن عابرة بل رسالة مفادها غياب مساحة للأصوات المستقلة، وأن العدالة تُؤجل وأن الحقيقة تُغتال قبل الإنسان، في ظل اتهامات ضمنية بوجود جهات تعرف الحقيقة ولا تجرؤ على إعلانها.

وأضاف أن مأساة تعز لا تتوقف عند حدود الدم، بل تمتد إلى تحولها من مدينة ثقافة وفكر إلى مدينة حواجز وجماعات، حيث صودرت الروح قبل الأرض، مشيرًا إلى أن الكفاءات التي غادرت خلّفت فراغًا ملأته قوى أخرى مرتبطة بحالة من الانفلات، ما يعكس – بحسب تعبيره – تحولًا من مشروع دولة إلى شبكة مصالح ومن سلطة قانون إلى سلطة نفوذ.

وأوضح الخالد أن المشهد في الحوبان لا يقل قتامة، حيث تفرض مليشيا الحوثي واقعًا قائمًا على القمع والجبايات والسيطرة بالقوة، في نموذج آخر من المصادرة يختلف في الشكل ويتطابق في الجوهر، مؤكدًا أن المدينة تعيش بوجهين من المعاناة: وجه يرفع شعار الشرعية ويمارس الفوضى، ووجه يرفع شعار الانقلاب ويمارس القمع، بينما تبقى النتيجة واحدة وهي مدينة مكسورة تنزف بصمت.

وأشار إلى أن الحقيقة الأكثر إيلامًا هي أن تعز ليست ضحية طرف واحد، بل ضحية تعدد الأطراف وتوازنات مشوهة، حيث لا أحد يريد الخسارة حتى لو كانت المدينة نفسها هي الثمن، محذرًا من تحول تعز من قضية مركزية إلى هامش يُراد التخلص منه.

وأضاف الخالد أنه رغم كل ذلك، لا تزال هناك جذوة لا تنطفئ، وأن ما تبقى من تعز أكبر مما يُراد لها أن تكون، مشيرًا إلى أن استعادة المدينة لمسارها لن تتحقق إلا بعودة الدولة كواقع ملموس، ونزع السلاح من السياسة، وإعادة السياسة إلى معناها النبيل.

واختتم بالقول إن تعز تمثل اختبارًا حقيقيًا لمعنى الدولة ومصداقية الجميع، محذرًا من أن استمرار استنزافها بصمت أو تواطؤ لا يمثل فشلًا سياسيًا فقط، بل سقوطًا أخلاقيًا، مؤكدًا أن المدن العظيمة لا تموت بسهولة، لكنها حين تُخذل تموت واقفة شاهدة على خذلان الجميع.