قصة قصيرة -بسام الحروري
نفثت السيارة الرمادية عادمها مجاوزة السياج المعدني المحاذي للطريق ، وانعطفت نحو اليمين منحدرة إلى أسفل التل تنهب المسافة نهبا مخلفة وراءها المخمل الأخضر المترامي على ضفتي الطريق، فتبدت عندئذ بانوراما التناقضات في تقارباتها البديعة.حيث يعانق الأزرق الممتد الموغل في الامتداد المدى الشاخص إلى الأفق وتراءت التلال خلال مرآة السيارة الجانبية وهي تتباعد ملتحفة الخضرة الموشاة بزهر مختلف ألوانه،تتراقص الفراشات على جنباته, وفي الناحية الأخرى تقاطرت سلسلة الجبال تشرئب أعناق قممها الشاهقة، فيما أسدل الضباب ستاره الكثيف عليها إلى مالا رؤية، يخاتل البصر فما يلبث أن يرتد إليك خاسئا كليلا.
أنزل ريان زجاج السيارة ببطء حتى المنتصف، ورمى بعقب سيجارته بعد أن نفث أخر نفس منها، فندت قسمات قمحية لشاب ثلاثيني بأنف دقيق وشعر فاحم كثيف فيما أخفت النظارة الشمسية عيناه، وعاود زجاج السيارة الارتفاع ببطء كما فُتح.
وفي مكان ما من هذه البلدة الصغيرة أقلت سيارة تاكس صفراء رشا حين خروجها من المشفى رفقة والدها،فحجبت عتمة الزجاج أسى باحت ببعضه ملامحها وإن كانت لتخفيه حتى لا يلحظه والدها فيبتئس، بعد أن تحسست ساقيها وعدلت من وضع عباءتها، ومضت السيارة في حال سبيلها قاطعة الطريق إلى المنزل.
قطع خشخشة راديو السيارة والأغنية الفيروزية المتقطعة رنين هاتف ريان، كان على الطرف الآخر صديقه جابر يطمئن عليه ويرجوه أن يعدل عن قرار الانتقال إلى البلدة المجاورة، لكن إصرار ريان وتصميمه حالا دون رغبة جابر وما أراد فمستقبله أهم
أمضى ريان ليلته الأولى في منزله الجديد الذي استأجره له أحد معارفه هناك،
ومع إشراقة الصباح أطل ريان من على الشرفة ليستطلع الحي، بحكم انه وصل البلدة مع حلول المساء وصادف أن منزل رشا كان في ذات الحي كغيره من أحياء البلدة تستظل بيوتها تحت سقوف القرميد الأحمر، فلمح فتاة عشرينية بوجهها الصبوح كفلقة القمر جالسة على مقعدها في الشرفة تتسابق إليها عصافير الصباح متراقصة لتأخذ حصتها من الفتات.
ارتبك ريان وشعر أنه اقتحم خلوتها، لكن رشا ابتسمت له وحيته بيدها فاطمئن، وبادلها تحية الصباح حيث لايسمع احدهما الآخر لبعد المسافة بينهما.
تنهد ريان وابتسم في سره وقال: ياله من صباح
: يالها لهذا الجمال الآسر
وانشغل بمتابعة رسالته والتحضير لها فكان يقضي جل وقته مابين الجامعة والبحث العلمي في المكتبات عن المراجع،
وما أن يطل كل صباح حتى يجدها قد سبقته إلى الشرفة جالسة على المقعد رفقة عصافيرها، ولم يكن ليراها إلا بهذه الهيئة هيئة الجلوس تقرأ أو تطعم العصافير ، تحجب الشرفة نصف جسدها فدخلت شغاف قلبه فتاة العصافير - كما أسماها- وإن كان لقاؤهما لايتعدى تحية وبسمة فيطمئن عليها ويذهب لجامعته وكم تمنى لو يتعرف عليها أكثر فقد استولت على لبه وشغلت النصيب الأوفر من تفكيره وهام بها كما لم يهم بأحد من قبل.
في إحدى المرات أشار لها مااسمك؟ فكتبت حروف اسمها الثلاثة في الهواء وأبدى لها إعجابه وحبه بقبلة طيرها إليها بشفتيه وكفه فاحمرت وجنتيها ،واخفت وجهها بين كفيها .
وفي احد الصباحات غابت رشا عن شرفتها وساءت حالتها بسبب المرض وامتد غيابها لأكثر من أسبوع، فأظلمت صباحاته وتمنى لو يعرف سبب غيابها وعصفت به الأسئلة القلقة والاسى الممزوج بالخوف
كان ريان قد تعرف على والدها حين يصادفه في رواحه ومجيئه وصارت بينهما علاقة وثيقه
لكنه لايستطيع سؤاله عن رشا وود لو كان يستطيع لكن ثمة مايمنعه
لقد كان دخول ريان إلى حياة رشا وعالمها الغامض التعس بمثابة النور الذي اضاء لها زاوية حياتها فصارت ملونة، وإن كان ذلك من خلال التقاء النظرات والبسمات، وصارت تراه بديلا لأبطال الروايات والقصص التي تقرأها ولم يكن يعلم ريان أي تفاصيل أخرى عن ملاكه التي هام بها حتى الثمالة.
وعادت رشا لشرفتها الصباحية وعادت الحياة كانت تبدو شاحبة بعض الشيء لكن عودتها بمثابة عودة الحياة لريان وللعصافير
في إحدى المرات صادف خروج والدها من المنزل خروج ريان وأخبره انه يود زيارتهم في البيت لأمر مهم ورحب والد رشا بهذه الزيارة مضيفا : تزورنا البركة يابني ، بالوقت الذي تريد وضربا موعد الزيارة.
ظل ريان يتأهب لموعده بشوق حارق، يحدوه قراره الكبير الذي سبقه الكثير من التفكير الطويل في ذات الأمر ،وحين موعد الزيارة توجه لمنزل رشا فاستقبله هناك والدها وحياه بحفاوة ورحب به ترحيبا حارا.
جلس ريان على الأريكة يجيل نظره في البيت والصور والأثاث ثم فرك إصبعه بقلق بعد مقدمات مبديا رغبته بالزواج من رشا وعندها تعجب والدها وسأله وهل تعرفها من قبل؟
فرد ريان متلعثما : في الحقيقة ربما !
وواصل والد رشا استغرابه عاقدا حاجبيه هلا أوضحت لي يابني؟
في الحقيقة رأيتها في الشرفة فقط هذا كل ما في الأمر
لابأس يابني, هلا أمهلتني حتى تحضر وتراها وتتعرف عليها أكثر
ثم نادى على مدبرة المنزل أن تحضر رشا ، ساد المكان شيء من الوجوم الصامت ثم دار بينهما حديث عن الشأن العام، لم يقطعه سوى دخول رشا بالكرسي المتحرك تدفعه المدبرة على مهل
- هذه ابنتي الحبيبة رشا ياريان كما ترى أصيبت بحادث سير اقعدها على هذا الكرسي و ...
قام ريان من مكانه مذهولا تعتريه خليط من المشاعر المتناقضة الفرح والاستغراب، الحب والشوق ،الصدمة والحزن الشفقة والخوف ،وقفزت حينها صور مستقبله الذي تخيله مع فتاة أحلامه،ولسان حاله : لاأريد أن اظلمها معي
ولسان حالها : لاأريد حبا على محمل الشفقة
وهل تملك رشا حينها إلى إلا أن تدير عجلات مقعدها للخلف وهي تكتم عبرة خالجت أحاسيسها القديمة الجديدة، ولكأن الظلام حينها قد ساد المكان إلا من بقعتي ضوء سلطتا على ريان وفتاته أمام القرار الأخير، وحدها كانت تناقضات الأحاسيس تنبض بتوجس وتتحدث رقراقة فيوض المشاعر ، في حضرة السكون الجاثم فتستنطق حوار العقل والفؤاد منداحة كشلال هادر إزاء قرارها الأخير . وفي الخارج كان ثمة ريح تصر وتكنس ماتبقى من أوراق الخريف الصفراء، فسرت على جنبات الناصية التعبة حالة من الصمت الرهيب،حين انثالت زخات خفيفة، علها تستدر بعض البشارات، وتغسل حزن وخيبات السنوات الفارطات من عمر الأسى.