حوارات وتقارير عين عدن

حضرموت بين تهديدات الزبيدي ووعيد بن حبريش: إلى أين تتجه الأمور؟


       

تقرير- عمر الكاف

في زيارته الأخيرة إلى مدينة المكلا، فجّر نائب رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، قنبلة سياسية من العيار الثقيل باتهامه لمقدم حضرموت ورئيس حلف قبائلها، الشيخ عمرو بن حبريش، بالولاء للحوثيين وتلقي دعم من إيران لنقل الحرب إلى حضرموت. اتهامات خطيرة كهذه لا يمكن أن تمر مرور الكرام، خاصة عندما تأتي من شخصية سياسية بحجم الزبيدي، لكنها في المقابل لم تجلب سوى المزيد من التوتر والصدامات، بدلاً من تهدئة الأوضاع ومعالجة الملفات العالقة.

 

من أين أتى الزبيدي بهذه الاتهامات؟

يبدو أن المعلومات التي اعتمد عليها الزبيدي قد وصلت إليه من محافظ حضرموت، مبخوت بن ماضي، الذي تجمعه خلافات واضحة مع الشيخ عمرو بن حبريش. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان الزبيدي بحاجة إلى ترديد هذه الاتهامات على الملأ، وهو يدرك أنها ستشعل نار الغضب في حضرموت؟

 

رد حضرمي سريع: لا وقود لعدن بعد رمضان!

لم يتأخر الرد طويلاً، إذ خرج الشيخ عمرو بن حبريش، مقدم حضرموت، بتصريح ناري توعّد فيه بوقف تزويد عدن بالوقود بعد شهر رمضان وعودة إغلاق الطرقات، في إشارة واضحة إلى أن حضرموت لن تقف مكتوفة الأيدي أمام لغة التخوين والاستفزاز.

 

وهنا يكمن التساؤل الأهم: ماذا استفدنا من كل هذه التهديدات المتبادلة؟

بدلاً من السعي نحو الحلول، وجدنا أنفسنا أمام صراع سياسي جديد يُضاف إلى قائمة الأزمات التي تعاني منها البلاد.

 

القيادة ليست في إشعال الحرائق، بل في إخمادها!

عزيزي الزبيدي، كان الأجدر بك أن تتعامل مع حضرموت بحكمة، فتخاطب أهلها وقبائلها وحلفها ومؤتمرها الجامع بروح التفاهم، بدلاً من إلقاء التهم جزافاً. كان عليك أن تسعى إلى كسب ودهم من خلال تلبية مطالبهم المشروعة، وليس الاصطفاف مع المحافظ الذي لم يقدم لحضرموت سوى المزيد من الفساد.

 

حضرموت ليست مجرد محافظة، بل كيان له ثقله التاريخي والاجتماعي، وأبناؤها ليسوا أدوات تُحرَّك بسهولة وفق أجندات سياسية. قد يكون الحضارم معروفين بانتقاد بعضهم البعض، لكن عندما تُمس كرامتهم، فإنهم يقفون صفاً واحداً، وهذا ما نراه اليوم في رد فعلهم الحازم على تصريحاتك.

 

لغة التخوين لن تجدي نفعاً

استخدام لغة التخوين والاستفزاز لن يدفع الحضارم إلى التراجع، بل سيدفعهم إلى المواجهة والتحدي. حضرموت صبرت لعقود، بل لقرون، وهي ترى ثرواتها تُنهب بينما شعبها يعاني الفقر والتهميش. لكن للصبر حدود، والانفجار قادم لا محالة إذا استمرت هذه السياسات.

 

إن كنت تظن أن قبائل حضرموت ستقف إلى جانبك بعدما رميت شيخهم بهذه الاتهامات، فأنت واهم. فالقبائل ولاؤها لأرضها وأبناء جلدتها، وليس لمن يطلق عليهم الشتائم من خلف الميكروفونات.

 

ازدواجية المعايير: لماذا لم يُتهم أبناء أبين؟

المفارقة الكبرى أن الانتقالي لم يُبدِ نفس الحزم مع القبائل في أبين، عندما أوقفوا قواطر الغاز، وتسبّبوا في أزمة خانقة في عدن خلال شهر رمضان! لماذا لم نسمع عن تخوينهم واتهامهم بالعمالة كما حدث مع حضرموت؟ لماذا تم تلبية مطالبهم دون ضجيج إعلامي؟

 

هذه الازدواجية تطرح تساؤلات عديدة حول مدى مصداقية الخطاب الذي يُوجَّه لحضرموت. يبدو أن السلطة تتعامل مع الأقاليم وفق مصالحها، وليس وفق مبدأ العدالة والإنصاف.

 

عدن… مدينة أم قرية؟

كانت عدن يوماً ما لؤلؤة الجنوب، مدينة نابضة بالحياة، مزيجاً من الأصالة والحداثة، حيث كان لكل شارع فيها قصة، ولكل زاوية فيها روح. لكن اليوم، ماذا تبقى منها؟ شوارع تغرق في الفوضى، خدمات تترنح بين الانقطاع والغياب، وأزمات تتوالد من رحم الصراعات السياسية التي لا ناقة لأهل عدن فيها ولا جمل.

 

أصبحت عدن ضحية لكل المتصارعين، وكأنها الحلبة التي يسوّي فيها الجميع حساباتهم، بينما يدفع المواطن الثمن من أمنه واستقراره ولقمة عيشه. أيعقل أن تكون هذه هي عدن التي كانت يوماً ما مركزاً تجارياً وثقافياً ينافس العواصم؟ أيعقل أن تصبح مجرد قرية كبيرة، يُختزل دورها في كونها ورقة مساومة بين الأطراف المتناحرة؟

 

رجاءً، اتركوا عدن وشأنها، دعوا أهلها يعيشون. يكفي أن تكون مدينتنا الضحية الدائمة لصراعاتكم، يكفي أن تُستخدم كورقة ضغط أو صندوق بريد لتبادل رسائلكم السياسية. نحن لا نريد سوى العيش بكرامة، بعيداً عن كل هذه المهاترات. عدن ليست غنيمة يتقاسمها الطامعون، ولا ورقة تفاوض تُلقى على طاولة المصالح، بل هي روحٌ تنزف بصمت، تنتظر من يعيد إليها بعضاً من مجدها المسلوب ،فكيف تتوقع أن تقبل حضرموت أو المهرة بأن تكون تحت هذا الحكم؟

 

الصحوة قبل الفوات

إن لم يستيقظ المجلس الانتقالي من غيبوبته السياسية، فقد يجد نفسه قريباً بلا حاضنة شعبية، بعدما خسر ثقة الكثيرين بسياساته المرتبكة. لا تزال هناك فرصة لإصلاح المسار، لكن ذلك لن يحدث عبر التصعيد والتخوين، بل عبر الحوار والتفاهم والاستجابة الحقيقية لمطالب الشعب.

 

على الانتقالي أن يدرك أن حضرموت ليست عدن، وأن أبناءها لن يقبلوا بأن يُعاملوا كأتباع، بل كشركاء في صنع القرار. وإن استمرت لغة الاستعلاء، فإن القادم قد يكون أسوأ مما يتوقعون.