كاتب سياسي: مأزق المشاركة الجنوبية في السلطة.. هل حان وقت الانسحاب؟
قال الكاتب السياسي، ماهر باوزير، عندما قبلت بعض القوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، الانخراط في مجلس القيادة الرئاسي وحكومة المناصفة، كانت تلك المشاركة تستند إلى قراءتين :
واحدة تتعلق بالحاجة إلى حضور سياسي فاعل في دوائر القرار، وأخرى ترتبط بالحرص على تحسين الأوضاع الخدمية والاقتصادية في الجنوب، عبر تولي وزارات سيادية وخدمية .
لم تكن هذه الخطوة سهلة ولا مجانية، بل كانت محمّلة بتناقضات المرحلة وتعقيداتها، وقد رُوّج لها داخليًا باعتبارها مدخلًا لإضفاء الشرعية على القضية الجنوبية، وإيصال الصوت الجنوبي إلى المحافل الإقليمية والدولية، أما على الصعيد الداخلي، فقد وُعد الناس بتحسن في مستوى الخدمات، والحد من التدهور الاقتصادي والمعيشي .
لكن بعد مرور فترة زمنية كافية لتقييم تلك التجربة، تبرز مؤشرات مقلقة تُحتّم علينا، كمهتمين بالشأن السياسي، التوقف الجاد أمام نتائج هذه المشاركة .
فعلى المستوى السياسي، لم نلمس حتى الآن أي اختراق جوهري في مواقف المجتمع الدولي تجاه القضية الجنوبية، بقي الملف الجنوبي خارج أجندة التفاوض الحقيقية، وظلّ تمثيل الجنوب في إطار السلطة المركزية أقرب إلى الغطاء منه إلى التأثير، بل إن الصمت المطبق حول قضايا مصيرية تخص الجنوب يُثير التساؤل حول ما إذا كانت المشاركة قد فُهمت دوليًا كموافقة ضمنية على الوضع القائم .
أما على المستوى التنفيذي والخدمي، فقد كانت النتائج أكثر إحباطًا، فالوزارات التي تولتها قيادات جنوبية لم تتحول إلى أدوات لحل الأزمات، بل أصبحت — في كثير من الحالات — منصات لإنتاج شبكات نفوذ جديدة، وتكرار نماذج الفساد ذاتها التي طالما اتُّهمت بها الأنظمة السابقة، بل إن حالة التماهي مع السلطة، والانشغال بتوسيع النفوذ الشخصي والمالي، قد أضعفت ما تبقى من صورة رمزية لممثلي الجنوب في السلطة .
لقد أدّت هذه المعادلة إلى تآكل الثقة الشعبية، وعمّقت الفجوة بين الشارع والقوى السياسية، بل وأثّرت سلبًا على صورة المشروع الجنوبي نفسه، الذي بات يُستحضر اليوم ليس بوصفه مشروعًا للتحرير وبناء الدولة، بل كأداة لتقاسم المناصب والامتيازات .
إن ما نحن بصدده اليوم ليس مجرد إخفاق سياسي يمكن تجاوزه بالتصريحات، بل مأزق بنيوي في إدارة المشاركة وقراءة مآلاتها، وهذا يضع القوى الجنوبية، ولا سيما تلك التي لا تزال داخل بنية السلطة، أمام خيارات محدودة ومصيرية :
فإما الاستمرار في الشراكة الهشة التي فقدت مضمونها ولم تعد تقدم للجنوب شيئًا سوى تقنين التبعية .
أو الانسحاب المدروس والمبرر وطنيًا وشعبيًا، والذي يعيد تموضع المشروع الجنوبي خارج عباءة السلطة المنهكة .
أو الخيار الثالث، وهو إعادة صياغة المشاركة ضمن استراتيجية تفاوضية جديدة، مشروطة بالتزامات واضحة ومعلنة، وإصلاحات حقيقية في بنية القرار وفي إدارة الملف الجنوبي .
وفي كل الأحوال، فإن تجاهل الواقع، أو التذرع بالوقت، لن يؤدي إلا إلى تعميق الاستنزاف، فالسلطة التي لا تنتج خدمة ولا تمثيلاً حقيقيًا، تتحول مع الوقت إلى عبء، وإن طال بقاؤها .
إن ما يخشاه الجنوبيون اليوم، بكل شرائحهم، هو أن يكون ثمن هذه المشاركة أعلى من طاقة الجنوب السياسية والاجتماعية، وأفدح من كلفة الصمت نفسه، وما لم تتم مراجعة هذه التجربة بشجاعة ومسؤولية، فقد نجد أنفسنا — مرة أخرى — أمام تكرار مأساوي لتجارب سابقة، لم تورث إلا الخيبة !