أخبار وتقارير

الشجيفي: الأزمات أداة ضغط.. كيف تحوّلت المعاناة إلى وسيلة للسيطرة على الشعب


       

قال حافظ الشجيفي، في غمرة التحديات الجسام والأزمات المتتالية التي تضرب بجذورها في عمق النسيج الجنوبي، يطرح تساؤل فلسفي وسياسي واجتماعي ملح حول طبيعة العلاقة بين القيادة والشعب، وحقيقة تمثيل الأولى للثاني، خاصة في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية والخدمية فالمقاربة الدقيقة والمنطقية لهذا الواقع تستوجب تجاوز السرديات المباشرة والادعاءات الظاهرة، والغوص في التحليل البنيوي الذي يكشف عن تلازم الأسباب والنتائج في سياق يغلب عليه التعقيد.
اذ ان الادعاء بتمثيل أي كيان سياسي، كالمجلس الانتقالي الجنوبي في الحالة الراهنة، للشعب الجنوبي هو مسألة لا يمكن قبولها إلا ببرهان التجسيد الحقيقي لتطلعات هذا الشعب وترجمتها الى واقع معاش، وأولها وأعظمها تحقيق العيش الكريم والعدالة الاجتماعية. فالتمثيل السياسي الحقيقي ليس تفويضا شكليا أو إعلانا صريحا، بل هو ترجمة عملية للمطالب الأساسية للشعب. وعندما تتحول الأزمات الاقتصادية والخدمية والمعيشية – من انقطاع للكهرباء وشح في الوقود وتأخير ممنهج للرواتب – إلى سمة بارزة ودائمة في ظل سلطة تدعي تمثيل الشعب، فإن هذه السلطة تكون قد فقدت، فعليا، مبرر وجودها السياسي كممثلة له.
لان المنطق يقتضي أن أي قيادة تسعى بصدق لتحقيق هدف وطني كالاستقلال واستعادة الدولة، لا يمكن أن تبني استراتيجيتها على تفتيت القدرة المعيشية لشعبها أو إضعاف روحه وارادته، لأن الأوطان لا تُستعاد بشعوب جائعة ومهانة، بل بشعوب قوية ومنتجة ومؤمنة بقيادتها. ولذا، فإن الإبقاء على حالة الفقر المدقع وتردي الأوضاع المعيشية وتفاقم الازمات الخدمية كإنجازات أو نتاج لسياسات متعمدة يخدم بالضرورة أجندات تتعارض جذريا مع الهدف المعلن لاستعادة الدولة. وهذا التعارض الجلي بين الأقوال والأفعال، وبين الادعاء بالتحرير والعمل على التدمير الممنهج لمقومات الحياة، ينزع صفة التمثيل الشرعي عن القيادة، ويؤكد أن الأهداف المتحققة على الأرض هي مصالح فئوية أو دولية ضيقة، لا مصلحة الشعب.

إن ظاهرة استثمار الأزمات الإنسانية والخدمية كأداة ضغط سياسي هي ممارسة قذرة في قاموس السياسة النبيلة. فالقيادة التي تسمح باستمرار هذه الأزمات أو تفتعلها بحجة الصمود أو تحقيق الأهداف إنما تمارس عملية "تركيع" ممنهجة بحق الشعب والهدف من وراء هذه الأزمات ليس حماية القضية، بل إيصال الشعب إلى مرحلة اليأس والإذلال التي يصبح فيها القبول بأي حل، مهما كان متناقضًظا مع تطلعاته، هو المخرج الوحيد من جحيم الفقر والجوع والذل.
وفي هذا السياق، تصبح الإنجازات المزعومة للقضية الجنوبية، والمتمثلة في التواجد على الأرض والسيطرة على مقاليد السلطة، مجرد غطاء للإنجازات الحقيقية التي تتمثل في:
 ــ تحطيم الروح الوطنية عبر ربط القضية الوطنية بالمعاناة المباشرة، مما يولد نفورا منها بدلا من التمسك بها.
 ــ خلق التبعية المطلقة:  من خلال العمل على  إبقاء الشعب مرهونا بالقرارات والمساعدات والمكاسب التي تحققها القيادة على الطاولة السياسية، وليس بقوته الذاتية.
 ــ خدمة أجندات التفتيت والسيطرة التي ترى في الجنوب القوي اقتصاديا ومعيشيا خطرا على مصالحها، بينما الجنوب المنهك والمستنزف هو حليف سهل وقابل للانكسار.
فهذه السياسة هي قمة الخيانة لفكرة التحرير والاستقلال، لأنها تحرر الأرض لتستعبد الإنسان فيها، وتستبدل احتلالا بآخر أكثر خبثا لأنه يلبس عباءة الوطنية.

وهنا يأتي المنعطف الفلسفي الأكثر أهمية ودقة. فبعد إدانة ممارسات القيادة وفضح تناقضاتها، يجب طرح السؤال الأعمق: من أين أتت هذه القيادة؟
إن المقولة الكلاسيكية التي لا تقبل الجدل في الفلسفة السياسية والاجتماعية تتمثل في ان "القيادة هي انعكاس لجودة الشعب ومستواه الأخلاقي والمدني حيث ان القيادة لا تهبط من الفضاء، بل هي نتاج الرحم الاجتماعي الذي ولدت منه. فالقيادة الفاسدة أو المتناقضة أو التي تستغل موارد شعبها وقضاياه السياسية والوطنية، هي نموذج مصغر للسلوكيات السائدة في البيئة الاجتماعية التي أفرزتها.
ومن هنا نيتطيع القول ان الخلل الذي قاد إلى هذا الواقع المؤلم يكمن في الشعب أكثر مما يكمن في القيادات، وذلك للأسباب التالية:
 ــ الرضا بالاستغلال والتفويض الأعمى: فعندما يقدم الشعب "تفويضًا" لا يوازيه محاسبة دائمة ويقظة مستمرة، فإنه يمنح القيادة صكا مفتوحا للاستغلال. فالشعوب اليقظة لا تسمح بقيادة فاسدة أو متناقضة أن تبقى ليوم واحد.
 ــ غياب الوعي النقدي والقدرة على التمييز: لان الانخداع بالشعارات الرنانة و"التطبيل والتزمير" الذي يمارسه "جيش المرتزقة" هو دليل على ركود في الوعي الجمعي. فالشعب الحي هو من يرى الشمس بلا غربال، ويميز بين القول والعمل، وبين القائد والمستغل.
 ــ تغليب المصلحة الآنيّة والذاتية: فعندما يغلب المواطن الجنوبي مصلحته الآنية على المصلحة الوطنية العليا، ويصبح مستعدًا للتنازل عن أهدافه الكبرى مقابل مكاسب صغيرة أو تخدير مؤقت، فإنه يساهم في بناء البيئة الحاضنة للفساد القيادي.
فالقيادة الفاسدة هي عَرَض لمرض أصيل في الجسد الاجتماعي ككل، يتمثل في الركود الشعبي، وضعف ثقافة المساءلة، وتغييب الضمير النقدي. فالقيادات تستمد قوتها من ضعف المحاسبة الشعبية. وإذا كانت الشعوب "الراكدة" تنتج قيادات "ساكنة ومخاتلة" لا تخدمها، فإن الشعب الجنوبي يجب أن يعي أن مفتاح التغيير لا يبدأ بإسقاط القيادة، بل بإسقاط "القيادة الداخلية" الكامنة فيه، والتي تسمح بالصمت والاستسلام للأمر الواقع.

إن الطريق إلى استعادة الدولة الجنوبية المستقلة وتحقيق العيش الكريم يمر عبر بوابة إصلاح الذات الشعبية قبل إصلاح القيادة وأن يتحول الشعب من مجرد "ضحية" إلى "فاعل"، ومن "مفوض أعمى" إلى "محاسب يقظ". فالقيادات هي مرايا الشعوب. وعندما ينكسر الزجاج في مرآة القيادة، فإن الكسر الحقيقي يكون قد بدأ في انعكاسه، أي في جوهر الشعب ذاته. فالاستقلال الحقيقي ليس إعلانا سياسيا على رقعة من الأرض، بل هو استقلال الإرادة من الذل، وتحرر الوعي من الركود، وقوة الشعب على فرض إرادته لا على استجداء عطاء قيادته.