حوارات وتقارير عين عدن

«الميناء بلا ظهير رئة بلا هواء».. تشريح استراتيجي لمستقبل عدن اللوجستي (تقرير)


       

تقرير عين عدن – خاص:

 

تفرض التحولات المتسارعة في خارطة النقل البحري العالمي واقعًا جديدًا يتجاوز مفاهيم الإدارة التقليدية للموانئ؛ فالمعركة اليوم ليست إدارة أرصفة ورافعات فحسب، بل معركة سيادة استراتيجية في قلب أهم الممرات الملاحية. القناعة المهنية الراسخة أن «الميناء بلا ظهير هو رئة بلا هواء»؛ إذ انتقل الصراع من «الرصيف» إلى «العمق». فالميناء الناجح لم يعد من يستقبل السفن فقط، بل من يمتلك القدرة على امتصاص البضائع وتدويرها في ظهيره الجغرافي. إنها معادلة صفرية: إمّا امتلاك الأرض خلف البحر، أو التحول إلى محطة عبور باهتة في كشوفات الملاحة الدولية.

 

الميناء بلا ظهير هو رئة بلا هواء

يقول محمد علوي أمزربة – رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن أن منحت الجغرافيا والتاريخ عدن كل شيء، لكن الإرادة وحدها تحسم النتيجة، السباق مع الزمن محتدم، والخطوط الملاحية تبحث عن ميناء يقدّم سلسلة توريد متكاملة واستعادة مكانة عدن ليست حبرًا على ورق، بل استحقاق مهني يتطلب قبضة حديدية لإدارة الأرض خلف البحر.

 

أولًا: تشريح الجغرافيا | أين يقع «المنجم اللوجستي» الضائع لعدن؟

ذكر أمزربة أن عدن تمتلك ميزة نادرة في المنطقة: قرب متناهٍ من خط الملاحة الدولي (أقل من 4 أميال بحرية) وعمق طبيعي يصل إلى 16 مترًا. غير أن هذه الأفضلية تظل ناقصة ما لم تُستكمل بالسيادة على «الظهير». هنا أربعة محاور جغرافية تمثل أوردة هذا العملاق اللوجستي:

1) محور (بير أحمد – الشعب) | الرئة اللوجستية والميناء الجاف

هذا المحور هو المفتاح الذهبي لرفع الطاقة الاستيعابية دون بناء رصيف واحد إضافي. تحويل المنطقة إلى ميناء جاف (ICD) يعني نقل الاختناق المروري والجمركي من ضيق المدينة إلى سعة الصحراء.
التحليل الفني: بقاء الحاوية في الميناء بانتظار التخليص يقلل من دورة السفن. بنقل العمليات إلى بير أحمد يمكن رفع كفاءة الأرصفة بنحو 40%، وتحويل الميناء إلى محطة «تفريغ سريع» والظهير إلى «منطقة فرز وتوزيع».

2) محور (العريش – العلم) | الظهير الصناعي والتصديري

هذه المساحات الشاسعة هي موطن القيمة المضافة. الفرصة متاحة لإنشاء مناطق تصدير متخصصة (EPZs) تعتمد على تصنيع المواد الخام وإعادة التصدير للقرن الأفريقي ودول الجوار.
التحليل الاستراتيجي: العالم لا يحترم الموانئ التي تستورد فقط. عدن يجب أن تُصنّع وتُغلّف وتُصدّر من ظهير «العلم»، ليكون الميناء منفذ مصانعنا ومصدر سيولة نقدية أجنبية مستدامة.

3) محور (كالتكس – المنصورة) | القلب التشغيلي النابض

يمثل الظهير التشغيلي المباشر للميناء، ويجب تحويله إلى منطقة خدمات لوجستية ذكية (Smart Logistics Zone). الربط الرقمي بين محطة كالتكس ومخازن المنصورة يقلل كلفة «الفرست مايل» ويجذب الخطوط الملاحية الباحثة عن السرعة والموثوقية.

 

ثانيًا: التحليل المقارن | صراع «الأرض» وموازين القوى الإقليمية

عند وضع عدن في كفة الميزان أمام المنافسين، يتضح أن الفارق ليس في البحر، بل في مدى تغوّل الميناء داخل اليابسة:

جيبوتي (الاختراق القاري): استثمرت مليارات الدولارات في ظهير واسع وربطت الميناء بسكة حديد إلى إثيوبيا، محوِّلةً الظهير إلى مخزن استراتيجي لملايين المستهلكين.

ميناء جدة (السيادة اللوجستية): نفذت السعودية مناطق لوجستية ضخمة لتحويل الميناء إلى مركز توزيع عالمي ضمن رؤية 2030.

العين السخنة – المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (نموذج التكامل): الميناء بوابة لمنطقة اقتصادية تضم مئات المصانع؛ السفن تقصد السخنة لأن البضائع تُنتَج في الظهير وتُشحَن فورًا.

الخلاصة: عدن تمتلك «الموقع الأفضل»، لكن المنافسين يمتلكون «الأرض الأجهز».

 

ثالثًا: الضرورات المهنية | كيف نسترد «السيادة اللوجستية»؟

دستور عمل لا يقبل التأجيل:

ممرات لوجستية معزولة (Dedicated Corridors): ممرات شحن خاصة تربط كالتكس ببير أحمد والعريش لتدفق الحاويات خلال  20 دقيقة.

التصنيع أو الاندثار: توطين صناعات التجميع وتعبئة الحبوب في بير أحمد والعلم لخلق آلاف فرص العمل وتثبيت عدن مركزًا صناعيًا.

التوأمة الرقمية (Port Community System): ربط رقمي شامل بين الرصيف والظهير؛ المصنع في «العلم» يعرف موعد وصول خاماته قبل دخول السفينة بـ 24 ساعة.

 

رابعًا: التحليل الفني للقيمة المضافة | لماذا الظهير هو الثروة؟

لغة الأرقام لا تجامل: الحاوية العابرة «ترانزيت» تدر عائدًا محدودًا. أمّا إذا دخلت مصنعًا في ظهير «بير أحمد» أو «العلم» وتمت معالجتها أو تغليفها:

5 وظائف مباشرة + 12 غير مباشرة

زيادة عائد الدولة بنحو 300% عبر الجمارك والضرائب وخدمات النقل

خفض كلفة السلعة محليًا بفضل وفرة العرض اللوجستي