الفن الاجتماعي عند 3 كتاب... تشيخوف: واقعية التفاصيل (2ـ3)
ميل الكاتب الروسي إلى "اليومي" و"العادي" سيصبح لاحقاً جوهر مشروعه الأدبي والمسرحي
ملخص
تعتبر مسرحية "بلاتونوف" المسرحية المكتملة الأولى للكاتب الروسي أنطون تشيخوف، إذ إنه حين أنجزها وراح يسعى إلى عرضها، كان لا يزال دون الـ20 من عمره لكن عدم اهتمامه بها هذه جعله غير حريص على مخطوطتها، لذلك تمزق غلافها، وضاع إلى الأبد عنوانها الحقيقي، إلى درجة أن الاسم الذي عرفت به طوال القرن الـ20، وهو "بلاتونوف" إنما كان اسماً اصطلاحياً، واكبه دائماً اسم مفترض آخر هو "فضيحة ريفية"
على رغم أن الكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف كتب القسم الأكبر من مسرحياته خلال الربع الأخير من القرن الـ19، فإنه يعتبر الوالد الشرعي للمسرح الواقعي والحديث في القرن الـ20، إلى جانب هنريك إبسن والأميركي يوجين أونيل. فأي من مسرحيات تشيخوف كانت فاتحة مساره المسرحي الكبير؟ بالتأكيد تلك المسرحية كانت "بلاتونوف" التي تعتبر دائماً مسرحيته المكتملة الأولى، إذ إنه حين أنجزها وراح يسعى إلى عرضها، كان لا يزال دون الـ20 من عمره. يومها رفضت هذه المسرحية على الفور ولم تقدم مسرحياً، بل أن تشيخوف أيضاً لم ينشرها في طبعة طوال حياته، لذا لم تنشر للمرة الأولى إلا في عام 1923.
ولنضف إلى هذا أن عدم اهتمام تشيخوف بمسرحيته الأولى هذه جعله غير حريص على مخطوطتها، لذلك تمزق غلافها، وضاع إلى الأبد عنوانها الحقيقي، إلى درجة أن الاسم الذي عرفت به طوال القرن الـ20، وهو "بلاتونوف" إنما كان اسماً اصطلاحياً، واكبه دائماً اسم مفترض آخر هو "فضيحة ريفية".
المهم أن تشيخوف تجاهل هذا العمل دائماً، معتبراً إياه "مجرد محاولة أولى، غير ناضجة، في الكتابة للمسرح" أو بالأحرى، مجرد "تجميع أصيل لبعض الأفكار سيستخرج منه، في ما بعد، أشخاصاً ووضعيات تفيد في استنباط تفاصيل مسرحياته المقبلة". وهذا ما حدث بالفعل، إذ إننا سنجد كثيراً من أجواء "بلاتونوف" وأشخاصها، وأزمات هؤلاء الأشخاص، في كثير من مسرحيات تشيخوف التالية، بما في ذلك "إيفانوف" و"بستان الكرز" و"الخال فانيا" وغيرها.
أحداث متسارعة
أما أحداث المسرحية الأولى تلك، فبسيطة للغاية، بل هي أيضاً أحداث تبدو متسارعة في وتيرة تتاليها، لأنها تكاد تدور في يوم واحد وأمسية واحدة، وفي مكان واحد، هو حديقة ومنزل سيد إقطاعي تجمعت فيه خلال ذلك اليوم نخبة من رجال الفكر والثقافة والجيران، لتمضية وقت ظريف.
في البداية يكون كل شيء هادئاً رتيباً: عبارات مجاملة متبادلة، مزاح بين الحاضرين، لعب مرح، إقبال على الصداقة وعلى الحياة. ولكن شيئاً فشيئاً، وكما في لوحة لبروغل يتأملها المرء ليدرك بسرعة كل تلك الأمور الأكثر جدية الكامنة في خلفية هدوء الشخصيات، يبرز لنا من بين الحضور، بلاتونوف، وهو في الأصل مالك أراض بذر ثروته بصورة جنونية، ثم ها هو الآن وعد زوجته ساشا بأن يبدأ حياة جديدة أستاذاً في مدرسة قريبة.
بيد أن هذا الوعد لم يمنع بلاتونوف من أن يمضي جل وقته في دارة آل فوينتسيف، حيث يجتمع الأصحاب الآن. وهو هناك في هذه الدار يمضي وقته بين رفضه إغواءات آنا، أرملة الجنرال فوينتسيف الراحل، ودفعه لإغراءات ماريا غريكوف، العالمة غير الجذابة التي يبدو من الواضح أنها مغرمة به.
أما المشكلة الحقيقية في هذا كله فهي أن سيرغاي، ابن آنا من زوجها، متزوج من الحسناء صونيا، التي كانت ذات يوم حبيبة بلاتونوف. وكل هذا لن يظهر لنا إلا بالتدريج، ليرسم خطوط المأساة المقبلة التي ستلوح مريرة حادة وسط الهدوء الغامر المكان أول الأمر.
اختفاء المشاعر
على أية حال، سيتبين لنا كذلك أن بلاتونوف بتصرفاته، يتمكن الآن، ومن جديد، من إيقاظ مشاعر صونيا تجاهه، بعد أن كانت هذه المشاعر اختفت طويلاً، وحدث ما حدث في حياة بلاتونوف.
هذه المرة يلتقي الحبيبان من جديد، ويكتشفان أنهما قد أخطآ في الطريقين المتباعدين اللذين اختاراهما لحياتيهما. وبات عليهما أن يصلحا، معاً، أخطاء الماضي. وهكذا يقرران الهرب معاً، بعد أن يرى بلاتونوف أن عليه، هذه المرة أيضاً، أن يجعل لحياته بداية جديدة.
وهنا إذ تدرك ساشا، زوجة بلاتونوف الطيبة والوفية، حقيقة ما يخطط له زوجها، تجابهه، ولكن ليس لكي تتهمه بالإساءة إليها، بل لكي تتهمه بأنه إنما يسعى الآن أيضاً إلى خراب بيت رجل آخر.
وإزاء هذا الوضع، ولأن بلاتونوف لا يعير اتهامها أي اهتمام، تحاول ساشا أن تسمم نفسها، زهداً في هذه الحياة التي تحياها. لكنها تفشل في ذلك، أما بلاتونوف فإنه يعلن توبته ويقرر العودة لزوجته ولحياته معها. وإذ تدرك صونيا ما حدث تغرق في يأس مدمر، يدفع بلاتونوف إلى الشعور بأنه السبب في ذلك كله، وأنه ابن لعنة لا تكف تنصب على الآخرين، لذلك يقرر ذات لحظة أن يضع حداً لحياته بالانتحار. ولكن فيما يكون على وشك قتل نفسه تدخل الغرفة، ماريا العالمة، وتحيطه بحنانها كما بذراعيها ليجد نفسه، في حيرته، مندفعاً نحو مبادلتها العناق بصورة آلية. وفي تلك اللحظة بالذات تدخل صونيا الغرفة لتجد بلاتونوف وماريا متعانقين فيجن جنونها وتطلق النار على حبيبها مردية إياه قتيلاً، منهية تلك المسرحية التي أخذ عليها دائماً انتقالها السريع من التهريج إلى الميلودراما.
تحول جذري
كما أشرنا، قد لا تكون مسرحية "بلاتونوف" عملاً كبيراً من أعمال أنطون تشيخوف (1860-1904)، لكنها مهدت لرسمه شخصيات مشابهة، وشديدة المعاصرة، في بعض أبرز أعماله المسرحية التي خلدت اسمه لاحقاً وجعلته من كبار مؤسسي الحداثة المسرحية، في بلده روسيا، كما في العالم كله، مثل "إيفانوف" (1887) و"العرس" (1889) و"طائر النورس" (1896) و"الخال فانيا" (1899) و"الشقيقات الثلاث" (1901) و"بستان الكرز" (1904).
ومن قبل بدايات القرن الـ20 على أية حال، بزمن طويل يعد أنطون تشيخوف واحداً من أبرز الأدباء الروس الذين أسهموا في إحداث تحول جذري في الأدب والمسرح معاً، حيث جمع في شخصه بين مهنة الطب وموهبة الكتابة، فكان طبيباً يراقب الإنسان في هشاشته اليومية، وكاتباً يحول تلك الملاحظات إلى أدب بالغ الدقة والإنسانية.
ولد تشيخوف في مدينة تاغانروغ لأسرة متواضعة، وعاش طفولة صعبة اتسمت بالفقر والصرامة العائلية، وهو ما انعكس لاحقاً في حساسيته تجاه المعاناة الإنسانية، واهتمامه بالشخصيات المهمشة والعادية. انتقل تشيخوف إلى موسكو لدراسة الطب، وهناك بدأ الكتابة بصورة جدية، في البداية بدافع الحاجة المادية، إذ كان ينشر قصصاً قصيرة في المجلات. لكن هذه القصص، على بساطتها الظاهرية، حملت بذور أسلوب جديد في السرد، يقوم على التقاط اللحظات العابرة والتفاصيل الدقيقة بدلاً من الحبكات الكبرى التقليدية، هذا الميل إلى "اليومي" و"العادي" سيصبح لاحقاً جوهر مشروعه الأدبي والمسرحي.
في المسرح، مثل تشيخوف نقطة انعطاف أساسية نحو ما يمكن تسميته "الحداثة الواقعية"، ففي أعماله مثل النورس والخال فانيا والأخوات الثلاث وبستان الكرز، كسر القواعد الكلاسيكية التي كانت تعتمد على الصراع الواضح والتصاعد الدرامي الحاد. بدلاً من ذلك، قدم مسرحاً يقوم على "اللا - حدث"، إذ تبدو الوقائع اليومية عادية، لكن تحت سطحها تتراكم توترات نفسية عميقة. الشخصيات عنده لا تتغير بصورة جذرية، بل تعيش في حالة انتظار دائم، أو عجز عن الفعل، وهو ما يعكس أزمة الإنسان الحديث.
عالم التفاصيل الصغيرة
ارتبط نجاح مسرح تشيخوف ارتباطاً وثيقاً بتجربة مسرح موسكو الفني، وبخاصة مع المخرج قسطنطين ستانسلافسكي، الذي طور أساليب تمثيل جديدة قادرة على إبراز العمق النفسي للنصوص. هذا التعاون كان حاسماً في إبراز ما يعرف بـ"الواقعية النفسية"، إذ يصبح الصمت، والإيماءة، والتفصيل الصغير، عناصر أساسية في بناء المعنى المسرحي. أما تجربة تشيخوف الحياتية، خصوصاً عمله كطبيب، فكان لها أثر بالغ في رؤيته الفنية. فقد علمته مهنته الإصغاء إلى الناس، وفهم تناقضاتهم من دون إصدار أحكام، وهو ما انعكس في حياده الأخلاقي ككاتب. هو الذي لم يكن يسعى إلى تقديم حلول أو رسائل مباشرة، بل إلى عرض الحياة كما هي، بكل غموضها وتعقيداتها. كما أن إصابته بمرض السل، الذي رافقه لسنوات وأدى إلى وفاته في بادنفايلر، أضفت على أعماله إحساساً عميقاً بزمن يوشك أن ينفد، وهو ما يتجلى في ثيمة الزمن الضائع والفرص المهدورة.
هكذا، يمكن القول إن تشيخوف لم يكن مجرد كاتب واقعي، بل كان مؤسساً لشكل جديد من واقعية، أكثر هدوءاً وعمقاً، تمهد للحداثة المسرحية. لقد نقل المسرح من عالم الأحداث الكبرى إلى عالم التفاصيل الصغيرة، ومن البطولة إلى الهشاشة الإنسانية، ليؤثر بذلك في أجيال لاحقة من الكتاب والمخرجين حول العالم. وليؤثر خصوصاً في عدد كبير من المسرحيين والسينمائيين، ومنهم بالطبع يوجين أونيل الذي سيكون موضوع الحلقة الختامية من هذه الثلاثية.
من - إبراهيم العريس باحث وكاتب