أخبار وتقارير

مدارس الحوثي في اليمن… مشروع موازٍ لإعادة تشكيل وعي الأجيال وتجنيدها


       

منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء عام 2014، اتجهت جماعة الحوثي إلى إعادة تشكيل المنظومة التعليمية في المناطق الخاضعة لها، عبر تغييرات واسعة في المناهج وأسماء المدارس، إلى جانب استحداث أنشطة تعليمية ذات طابع تعبوي. هذا التوجه حوّل التعليم من بيئة أكاديمية إلى ساحة صراع على الهوية، ووسيلة لاستقطاب الطلاب وتوجيه وعيهم.

وفي مقابل تراجع دور المدارس الحكومية، عملت الجماعة على إنشاء منظومة تعليمية موازية تحت مسمى «مدارس شهيد القرآن»، تقوم على نموذج داخلي مغلق يجمع بين التعليم والإقامة، ويستهدف غرس أفكار عقائدية مرتبطة بقيادات الجماعة، خصوصاً مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي.

سطو وتمدد

شملت هذه التحولات الاستيلاء على عدد من المدارس الحكومية وتغيير أسمائها، إلى جانب تحويل بعض المساجد إلى مراكز تعليمية تحمل الاسم ذاته. وخلال فترة قصيرة، توسعت هذه المدارس بشكل ملحوظ في مختلف المحافظات، مستفيدة من نموذج تعبوي مغلق يفرض بيئة فكرية موحدة على الطلاب.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في مارس 2024، أعلنت الجماعة تخريج نحو ثلاثة آلاف طالب من هذه المدارس، وهو رقم يعكس تسارع نمو هذا المشروع خلال فترة وجيزة. وتشير معطيات إلى أن التجربة مستوحاة من نماذج تعليمية مرتبطة بجماعات مسلحة في المنطقة، مع تركيز واضح على إعداد كوادر تحمل فكراً أيديولوجياً محدداً.

هياكل إدارية غامضة

رغم انتشار هذه المدارس، لا تتوفر معلومات دقيقة حول بنيتها الإدارية أو الجهات المشرفة عليها. كما يحيط الغموض بمصادر تمويلها، وسط إشارات إلى ارتباطها بمؤسسات تابعة للجماعة، مثل «التعبئة العامة» وصناديق الزكاة، دون وجود رقابة رسمية أو شفافية في إدارة العملية التعليمية.

شروط القبول والاستقطاب

تعتمد المدارس على استقطاب طلاب تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، عبر مزايا تشمل السكن المجاني والتغذية والتعليم، مقابل الالتزام الكامل ببرنامج دراسي مغلق يمتد لعامين. وتخضع عملية القبول لمعايير تتعلق بالانضباط والاستعداد الفكري.

برنامج صارم وتأهيل عقائدي

يبدأ اليوم الدراسي في ساعات الفجر الأولى ويستمر حتى المساء، متضمناً مزيجاً من الحصص الدراسية والأنشطة العقائدية المكثفة، مثل دراسة خطابات قيادات الجماعة وحضور محاضرات دينية وبرامج إعلامية موجهة. كما يخضع المعلمون أنفسهم لدورات تأهيل فكري قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة تتجاوز التعليم

تشمل الأنشطة زيارات لمواقع مرتبطة بقيادات الجماعة، وإحياء مناسبات عقائدية، إضافة إلى تدريبات خطابية وتمثيلية وحتى عسكرية رمزية، ما يعكس توجهاً يتجاوز التعليم التقليدي نحو بناء ولاء فكري وتنظيمي.

من التعليم إلى التعبئة

تشير شهادات طلاب ومعلمين سابقين إلى أن هذه المدارس تركز على تشكيل القناعات قبل تقديم المعرفة، مع وجود ضغوط نفسية دفعت بعض الطلاب إلى الانسحاب. كما تُخصص ساعات طويلة لمحاضرات أيديولوجية على حساب المواد الدراسية الأساسية.

مستقبل مقلق

يرى مراقبون أن انتشار هذا النوع من التعليم يخلق فجوة بين النظام التعليمي الرسمي والتعليم الموازي، ويهدد بتكوين أجيال ذات توجهات فكرية مغلقة، ما قد ينعكس سلباً على مستقبل البلاد. فبدلاً من أن يكون التعليم أداة لبناء المعرفة والانفتاح، يتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل الوعي وفق مشروع أيديولوجي محدد، بتبعات طويلة الأمد على المجتمع اليمني.