أخبار وتقارير

القاسمي: التعليم.. سلاح الأوطان وبوابة الإنقاذ من الأزمات


       

قال الكاتب السياسي، د. هاني بن محمد القاسمي، إنّه ليس ثمة رهانٌ أكثر حسمًا في مصير الأوطان من رهان التعليم، موضحًا أنه ليس قطاعًا خدميًا عابرًا، ولا ملفًا إداريًا يُضاف إلى جداول الحكومات، بل هو البنية التحتية الحقيقية للعقل الجمعي، والرافعة التي تُنهض بها الأمم من عثراتها وتستعيد بها توازنها في مواجهة الأزمات.

وأضاف أن قوة الدول لا تُقاس فقط بمتانة اقتصادها أو صلابة مؤسساتها، بل إن جوهر هذه القوة يظل مرتبطًا بنوعية التعليم الذي تُصنع به الإنسان، باعتباره الأساس الحقيقي لأي نهضة أو تقدم مستدام.

وتابع أن التعليم في معناه العميق لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يتجاوز ذلك إلى تشكيل الوعي وبناء الإنسان القادر على التفكير النقدي والإبداع، مشيرًا إلى أن وصف التعليم بأنه "سلاح الوطن" ليس مجرد بلاغة، وإنما توصيف دقيق لوظيفته في حماية الهوية والقيم ومواجهة التحديات الفكرية والثقافية.

وأشار إلى أن بعض الدول تلجأ في أوقات الأزمات إلى تأجيل إصلاح التعليم باعتباره غير ذي أولوية، غير أن التجارب أثبتت أن هذا التأجيل يُفاقم الأزمة بدلًا من حلها، لأن إهمال التعليم يعني التفريط في المستقبل وترك المجال للجهل والتطرف والتبعية.

وأضاف أن الدول التي تجعل التعليم أولوية استراتيجية، حتى وإن واجهت أزمات اقتصادية أو سياسية، تظل قادرة على النهوض مجددًا، لأنها تمتلك رأس المال الحقيقي المتمثل في الإنسان الواعي.

وتابع أن تحويل التعليم إلى خطة إنقاذ وطنية يتطلب إعادة تعريف أهدافه، بحيث لا يقتصر على تخريج الحاصلين على الشهادات، بل يمتد إلى صناعة عقول قادرة على التحليل والفهم، ومواكبة تعقيدات العصر والتفاعل معها بوعي وإدراك.

وأشار إلى أن تحقيق ذلك يستلزم مراجعة شاملة للمناهج التعليمية، للانتقال من ثقافة الحفظ والتلقين إلى ثقافة التفكير والإبداع، ومن الجمود إلى التفاعل مع الواقع ومتغيراته.

وأضاف أن المعلم يمثل حجر الزاوية في أي إصلاح تعليمي، مؤكدًا ضرورة إعادة الاعتبار له بوصفه مهندس العقول وصانع المستقبل، لا مجرد موظف يؤدي مهمة وظيفية، لافتًا إلى أن أي إصلاح لا يمكن أن ينجح دون تمكين المعلم وتطوير أوضاعه.

وتابع أن المعلم الضعيف لا يمكنه صناعة جيل قوي، وأن تهميشه يؤدي إلى إضعاف العملية التعليمية برمتها، بينما ينعكس دعمه إيجابًا على جودة المخرجات التعليمية.

وأشار إلى أهمية بناء بيئة تعليمية متكاملة تتوافر فيها الإمكانات الحديثة، وتستفيد من التكنولوجيا دون إغفال البعد الإنساني، موضحًا أن التعليم لم يعد محصورًا داخل الفصول الدراسية بل أصبح فضاءً مفتوحًا يتداخل فيه الرقمي مع الواقعي.

وأضاف أن من أخطر ما يواجه التعليم ليس ضعف الإمكانات فحسب، بل غياب الرؤية الاستراتيجية، لافتًا إلى أن إدارة التعليم بردود الأفعال أو وفق تجاذبات سياسية ومصلحية يفقده بوصلته ويحولُه من أداة إنقاذ إلى عبء على المجتمع.

وتابع أن بناء استراتيجية وطنية للتعليم يجب أن يكون مشروعًا جامعًا بعيدًا عن الحسابات الضيقة، قائمًا على رؤية طويلة المدى تستند إلى تحليل الواقع واستشراف المستقبل.

وأشار إلى أن الاستثمار في التعليم هو استثمار مباشر في أمن الوطن واستقراره ووحدته، لأن التعليم الجيد يُنتج مواطنًا واعيًا بحقوقه وواجباته، محصنًا ضد خطاب الكراهية وقادرًا على المشاركة في البناء لا الهدم.

وأضاف أن إهمال التعليم يؤدي إلى تفكك المجتمع وإضعاف مناعته وفتح المجال أمام الانقسام والاستغلال، في حين يمثل التعليم الجيد خط الدفاع الأول ضد هذه المخاطر.

وتابع أن التعليم ليس خيارًا من بين خيارات متعددة، بل هو الأساس الذي تتوقف عليه كل الخيارات الأخرى، مؤكدًا أنه السلاح الذي لا يصدأ والخطة التي لا تفشل إذا أُحسن إعدادها وتنفيذها.

وأشار إلى أن معركة الوطن الحقيقية تبدأ من قاعة الدرس، وأن طريق الإنقاذ الحقيقي يمر عبر كتاب يُقرأ وعقل يُنار وإنسان يُبنى على أسس من العلم والوعي.

واختتم بالقول إن الأوطان لا تُنقذ بالشعارات بل بالمعرفة، ولا تُصان بالانفعال بل بالعقل، مشددًا على أن التعليم يظل البداية والخاتمة في مشروع بناء الأمم.