العسلي: ازدواجية الخطاب السياسي في اليمن تُدار كأداة لإطالة أمد الأزمة
يرى الكاتب والمحلل السياسي علي العسلي أن أزمة اليمن لم تعد محصورة في جبهات القتال وحدها، بل باتت معركة موازية تُخاض عبر الخطاب السياسي وإعادة تعريف الوقائع بما يخدم بقاء السلطة. ويوضح أن الحدث الواحد يمكن أن يُقدَّم في صنعاء باعتباره “عدوانًا كونيًا”، بينما يُسوَّق في عمّان كـ“مسار تفاوضي”، في ازدواجية مقصودة تُدار كاستراتيجية حكم قائمة على توظيف التناقض لا حله.
ويشير العسلي إلى أن الجماعة الحوثية تدير ما يسميه “سياسة اليدين”؛ إذ تتحرك بمرونة في المسارات التفاوضية الخارجية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وانتزاع اعتراف إقليمي، بينما تصعّد داخليًا خطاب التخوين وملفات “الخلايا التجسسية”، بما يحول السياسة إلى ملف أمني، ويعيد توجيه الرأي العام من مساءلة الأداء المعيشي والخدمي إلى الخوف من “الاختراق الداخلي”.
ويؤكد أن خطاب “الخلايا” لا يُستخدم بوصفه ملفًا استخباريًا قائمًا على أدلة تفصيلية، بل كأداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، عبر ربط الأزمات الداخلية بعدو خارجي، بما يسمح بإعادة إنتاج الشرعية التعبوية في ظل تآكل الشرعية الواقعية. وبهذا، يتحول المواطن من فاعل سياسي إلى عنصر مشتبه به داخل منظومة أمننة شاملة.
كما يلفت إلى أن توقيت إثارة هذه الملفات يرتبط بتأثير الصورة السياسية؛ فمشاهد التفاوض في عمّان تُربك سردية “العدو المطلق”، ما يدفع إلى إنتاج خطاب داخلي موازٍ يعيد تثبيت منطق العداء، بحيث يُقدَّم التفاوض كتكتيك لا كتسوية، والحوار كإدارة صراع لا كشراكة وطنية.
ويشرح العسلي أن هذا النهج يقوم على هندسة مسارين متوازيين: براغماتية خارجية لحصد المكاسب، وراديكالية داخلية لضبط المجتمع ومنع تفكك القاعدة الصلبة. وبذلك، يصبح التفاوض وسيلة لإدارة الحرب لا إنهائها، وتتحول الهدنة إلى فرصة لإعادة التموضع وكسب الوقت، بدل أن تكون مدخلًا لبناء سلام دائم.
ويخلص إلى أن استمرار هذه الاستراتيجية يكرّس نموذج “اللا حسم”، حيث لا حرب تنتهي بالكامل ولا سلام يكتمل، بل صراع مُدار يُعاد تدويره عبر تفاهمات هشة ومكاسب مرحلية، بما يؤدي إلى ترسيخ سلطة الأمر الواقع وتأجيل أي تسوية شاملة، في مشهد يستهلك الزمن كأداة سياسية لإطالة عمر الأزمة.