السعودية والبحث عن السلام في اليمن: قراءة في دوافع التحول.



 
 
منذ بداية الحرب، كثرت المملكة العربية السعودية جهودها لمحاربة المشروع الحوثي، فشكّلت التحالف العربي، وتدخلت بقوة عسكرية وجوية، بمشاركة دول عربية عدة. 
 
لم تبخل المملكة بتقديم الدعم المالي، العسكري، اللوجستي، والسياسي في كافة المحافل الدولية، واستضافت قيادة الحكومة الشرعية، وبذلت "الغالي والنفيس" على أمل أن تتمكن هذه القوات من تحرير صنعاء من قبضة الحوثيين؛ كونهم حلفاء لإيران، ولأن الجغرافيا السياسية تجعل محافظات الشمال اليمني على تماس مباشر مع أمن المملكة الوطني.
 
صراع الأجندات وتوسع النفوذ:
لطالما كان الخلاف السعودي-الإيراني مزمناً منذ الثورة الخمينية، ورغم محاولات الرياض إقامة علاقات مبنية على احترام السيادة والقانون الدولي، إلا أن طهران استمرت في التوسع داخل النسيج العربي (لبنان، سوريا، اليمن، والسودان). وفي المقابل، نجحت الجهود في تحرير عدن وتطهير الساحل من تنظيم القاعدة بدعم سعودي-إماراتي مشترك، وهي حقائق لا ينكرها منصف يقرأ التاريخ بعين الحقيقة.
 
سنوات من الدعم مقابل العجز الميداني:
مرت أكثر من تسع سنوات على التدخل الذي جاء تلبية لطلب الحكومة الشرعية، دعمت خلالها السعودية الجيش والقوى السياسية بكل السبل، واستضافت رموزهم في الرياض على أمل العودة إلى صنعاء. لكن الواقع الميداني شهد تقلصاً في سيطرة الشرعية، وفقدان محافظات شمالية كالجوف، بينما لم يتبقَّ لها في مأرب سوى مديريتين، ورغم ذلك استمرت السعودية في دعمها.
 
وعلى الجانب الآخر، شهد الجنوب صراعات عسكرية بين المجلس الانتقالي والشرعية في أبين، حتى توقيع "اتفاق الرياض" وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022. كان الأمل أن يوحد هذا المجلس الصف لتحرير الشمال، لكن الصراعات الدبّت فيه مجدداً، ولم يُحرر "شبر واحد"، بل شهدت الجبهات انسحابات نحو الخلف وتسليم مواقع متقدمة للحوثيين.
 
معطيات 2026 والتحول الاستراتيجي:
مع وصولنا إلى عام 2026، واندلاع الصراعات الإقليمية التي طالت دول الخليج عبر المسيرات والمقذوفات، تعاملت المملكة بحكمة بالغة مفوتةً الفرصة على المتربصين بالمنطقة. لقد تحملت السعودية العبء الأكبر من وزر هذه التوترات، وقدمت الدعم اللوجستي والتمويني، وفتحت مطاراتها، وأمنت طواقم السفن العالقة بعد إغلاق مضيق هرمز.
 
اليوم، تشعر السعودية أن عقداً من الزمن قد شارف على الانتهاء دون أن تحقق الشرعية اليمنية أهدافها المرجوة، بل زاد المشهد تعقيداً بالتوترات في حضرموت والمهرة. والرياض، بوصفها دولة محورية ذات التزامات دولية ومشاريع تنموية كبرى، ومع اقتراب مواسم الحج، تجد نفسها أمام استحقاق إنهاء هذا الملف للالتفات إلى نهضتها الداخلية.
 
نحو سلام عادل ومستدام:
إن هندسة اتفاق سلام نهائي مع الحوثيين ليست "تخلياً"، بل هي ضرورة سياسية تفرضها الحسابات الدقيقة. علينا ألا نتحامل على المملكة؛ فمن حقها بعد عشر سنوات وبعد ضخ المليارات في البنك المركزي دون جدوى ملموسة، أن تبحث عن اختراق دبلوماسي ينهي معاناة الشعب اليمني.
 
إن توقيع اتفاق السلام سيتيح للشعب اليمني في الشمال والجنوب التقاط أنفاسه بعد أن وصل الوضع المعيشي إلى أدنى مستوياته نتيجة فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة الدولة وتحقيق الاستقرار.
 
ختاماً:
 إننا جميعاً نبحث عن سلام عادل ومتوازن، مع الأمل بأن يكون لـ "حضرموت" حضورها الوازن في هذه المحادثات لترتيب أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يضمن حقوق أبنائها وعلاقاتها مع الجوار.