عندما ينسحب الشرفاء، من يحكم؟



 

السياسة لا تُدار بالنوايا، ولا تنتظر الأفضل، ولا تُجامل الغائبين.

السياسة مساحة مفتوحة، من يدخلها يؤثر، ومن ينسحب منها يُستبدل، وهكذا الامر ببساطة.


المشكلة في واقعنا اليوم ليست فقط أن هناك فسادًا سياسيًا،


المشكلة الأعمق أن الساحة تُترك له لهذا الفساد.


وهنا تبدأ المأساة التي لا يُحب كثيرون الاعتراف بها، نحن لا نعاني فقط من وجود فاسدين في المشهد السياسي، بل من غياب الجيدين عنه.



كثير من الشباب والكفاءات قرروا، بوعي أو بدون وعي، الانسحاب من الممارسة السياسة.


بعضهم يراها بيئة ملوثة، وبعضهم يخشاها، وبعضهم يزدريها ويكتفي بدور ، الناقد من بعيد.


لكن هذه المواقف، مهما بدت نظيفة، أو مبدئية، لا تغيّر حقيقة واحدة، أنت حين تنسحب، لا تُصلح الواقع، بل تُسلّمه لغيرك.



السياسة لا تفسد فقط لأن الفاسدين فيها، بل لأنها تُترك لهم.


وفي اليمن ، كما في كثير من الدول التي تعيش أزمات ممتدة ، لا توجد أزمة نقص أفكار، ولا أزمة نقص شعارات، بل أزمة غياب الكفاءات من مواقع التأثير.



ولهذا نرى نفس الوجوه، نفس الأخطاء، نفس الدوائر المغلقة التي تعيد إنتاج نفسها، لأن من يملك القدرة على التغيير، اختار أن يبقى خارج اللعبة السياسية.


وهنا يجب أن تُقال الحقيقة بوضوح، بعيدًا عن المجاملات، الحياد في لحظة اختلال ليس موقفًا أخلاقيًا، بل انسحاب وهروب من المسؤولية.


والانسحاب في السياسة لا يعني السلامة، بل يعني فقدان التأثير.


الكثير يظن أن الوعي السياسي يُبنى من القراءة والمتابعة فقط.


وهذا نصف الحقيقة، ونصفها الآخر و الأخطر، هو الممارسة السياسية.


لأن الفهم الحقيقي للسياسة لا يُصنع من خارجها، لا يُصنع من خلف الشاشات، ولا من التعليقات، ولا من النقد البارد.


الفهم الحقيقي يتشكل حين تدخل الميدان، حين ترى كيف تُتخذ القرارات، وكيف تُدار التحالفات، وكيف تُصنع الفرص وتُفقد، وكيف تتحول الأفكار إلى واقع أو تُدفن.

بدون هذه التجربة، يبقى الوعي نظريًا بلا أثر.

والسؤال الذي يجب أن يواجهه كل شاب يرغب في التغيير اليوم ليس، هل السياسة نظيفة أم لا؟

هذا سؤال سهل، والهروب منه أسهل.

السؤال الحقيقي هو: إذا تركت السياسية لأنها غير نظيفة، فمن سيُنظفها؟

إذا انسحبت لأن فيها خللًا، فمن سيُصلحه؟

إذا قررت أن تبقى خارجها، فمن سيقرر بدلاً عنك؟


كل قرار سياسي لا تشارك في صناعته، ستتحمل نتائجه، شئت أم أبيت.

في راتبك، في خدماتك، في أمنك، في مستقبلك.


السياسة هي التي تُشكّل تفاصيل حياتك اليومية، حتى لو قررت تجاهلها.


ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع

ليس أن يظهر فيه فاسدون، بل أن ينسحب منه المصالحون.


حين ينسحب الجيدون، لا تبقى الساحة فارغة، بل تُملأ، لكن بمن لا يتردد، لا بمن يستحق.


وحينها، لا يصبح السؤال: لماذا تدهور الوضع؟

بل: لماذا تركناه يتدهور؟


المطلوب اليوم ليس أن يتحول كل فرد إلى سياسي تقليدي، ولا أن ينخرط الجميع في صراعات عبثية،

بل المطلوب شيء أوضح وأعمق، أن يتحول الوعي إلى مشاركة، والمعرفة إلى موقف، والنقد إلى فعل.

أن يدخل الكفء إلى المجال العام، بأخلاقه، بوعيه، بثباته،

لا ليُشبه الواقع، بل ليُغيّره.

ملاحظتك في محلها تمامًا. المقال نجح في تحريك الدافع… لكنه لم يُحوّل هذا الدافع إلى مسار عملي. بدون هذا الجسر، الحماس يبرد سريعًا.


لن أغيّر بنية المقال، لكن هذه فقرة تُضاف قبيل الخاتمة، تُجيب بوضوح: ماذا يفعل الشاب بعد أن يقتنع؟


المشاركة السياسية ليست منصبًا، ولا تبدأ من القمة، بل من خطوات صغيرة لكنها مؤثرة.

أن تكون حاضرًا في الشأن العام يعني أولًا أن تفهم بيئتك، ما هي قضايا مجتمعك؟ من يديرها؟ وكيف تُتخذ القرارات فيها؟ كيف تعالج أزمة وطنك؟

ثم تنتقل من الفهم إلى الفعل: شارك في المبادرات المجتمعية، انخرط في النقاشات العامة بوعي ومسؤولية، وكن جزءًا من أي إطار سياسي منظم (مدني، شبابي، مهني) يعمل على خدمة الناس والدفاع عن مصالحهم.

ابنِ نفسك معرفيًا وسياسيًا، وطور مهاراتك في الحوار، والإقناع، والعمل الجماعي، لأن التأثير لا يأتي بالصوت العالي بل بالقدرة على الفعل المنظم.

ولا تنتظر الفرصة الكبيرة، ابدأ من حيث أنت في حيك، في عملك، في محيطك. كل مساحة تأثير صغيرة اليوم، هي مدخل لدور أكبر غدًا.

وفي النهاية، حين ينسحب الشرفاء من السياسة، لا يتركونها نظيفة، بل يتركونها لمن لا يستحقها.