أخبار وتقارير

عمر الحار: اعتقال فتحي بن لزرق في عدن يثير غضباً واسعاً ويؤكد أهمية حماية حرية الصحافة


       

قال الكاتب، عمر الحار،  اعتقال الصحفي والكاتب الوطني فتحي بن لزرق في عدن أثار موجة تضامن واسعة بين الإعلاميين والمواطنين، مؤكدين أهمية حماية حرية الصحافة والكلمة الحرة.

 

إلي نص المقال:


اعتقال الاستاذ والكاتب الوطني العملاق فتحي بن لزرق ، ليس لحظة عابرة بل صفعة في وجه ماتبقى من أمل .



وما حدث اليوم للاستاذ فتحي ، ليس مجرد حادثة عابرة تطوى في أرشيف الأخبار ، بل علامة فارقة على الطريق الذي تمضي فيه المدينة بخطى حثيثة نحو الهاوية : حين يصبح الصدق تهمة ، والحقيقة جريمة ، والكلمة قيدًا ثقيلًا .



اليوم ، اعتُقل الكاتب الوطني الكبير فتحي بن لزرق في عدن لساعاتٍ فقط ، لكنها كانت كفيلة بكشف حجم الشرخ العميق في جدار القيم ، والقانون ، والحريات ، بل وفي روح المدينة ذاتها . فتحي ، الذي لم يكن مجرد صحفي ، بل مشروع ضمير وطني ، وامتداد أخلاقي وتاريخي لصوت عدن ، صار هدفا لمن ضاقوا ذرعا بالحقيقة ، وفزعوا من مواجهة الكلمة الصادقة.



بالأمس ، رحل وجه من وجوه عدن العتيقة في مشهدٍ عصيٍ على الوصف ، واليوم يهان وجهها الصحفي الحديث . و كأن المدينة ، التي كانت يومًا عاصمة للمدنية ، والثقافة ، والحرية ، قد دخلت نفقا من النفي الذاتي ، تفرّ من كل ما يشبهها ، وتطرد كل من يرفض دفنها في ركام النسيان .



عدن هجرت البحر ، لا لأن البحر تغير ، بل لأن المدينة خافت الغرق في طوفانه الموجع بالذكريات والخذلان. فاختارت أن تستكين إلى قلب "فتحي"، القلب الذي ظل مفتوحا لها على مصراعيه ، يدافع عنها كابن بارّ، ويكتب عنها كعاشق وفيّ ، ويواجه من أجلها بطش الطغيان بصلابة من لا يخاف إلا الله.



فهل كُتب على هذه المدينة أن تطرد كل من يحبها بصدق؟ أن تعتقل أقلامها ؟ وتصادر قلوبها ؟ وتشيطن ضمائرها؟



إن اعتقال فتحي ، وإن تم الإفراج عنه لاحقا ، لا يمكن النظر إليه خارج سياقه العام : سياق العدوان على الصحافة ، والحرية ، والكلمة الحرة ، وسياق الحرب على الأصوات المستقلة التي لا تساوم ، ولا تقايض ، ولا تصمت حين يعلو صوت الظلم .



فتحي بن لزرق ، هذا الاسم الذي تحوّل في وجدان الناس إلى أيقونة للحرف النبيل والموقف الصادق ، لم يكن يومًا كتابا عابرا ، بل صار امتدادًا عضويًا لهموم الناس ، ومعبرًا حقيقيًا عن معاناتهم . ومن سخريات القدر ، أن يُعتقل رجل بهذه المكانة في مدينة يفترض أنها تحتفي بالحريات ، لا تكسر أقلامها.



لكنهم أخطأوا التقدير . فما حدث اليوم ، أطلق العنان لموجة تضامن غير مسبوقة ، تجاوزت عدن إلى كل مدينة ، وقرية ، وزاوية في اليمن . وفي زمن الترندات الزائفة ، جاء ترند "فتحي" حقيقيا ، شعبيا ، تلقائيا ، عابرا للانتماءات ، ومزلزلًا لكل من اعتقد أن الناس قد تعبوا من الدفاع عن رموزهم الحقيقية.



معالي الأستاذ فتحي



حمدًا لله على سلامتكم ، ونجاتكم من غيّ هذا العبث العابر .


لقد انتصرت اليوم ليس على من أرادوا إذلال الكلمة فحسب ، بل على فكرة القمع ذاتها . خرجت أكثر صلابة ، وأكثر حضورًا ، و كأنك تقول لهم : "الكلمة لا تسجن ، ولا تنكسر ، ولا تموت ."



وعدن، التي طالما كانت مدينة الطيبين، ستظل مدينة لكم ولأمثالكم . مهما حاول العابثون تشويه وجهها ، أو تمزيق روحها.

فمثلكم لا يُعتقل.. بل يكتب عنه التاريخ .