أخبار وتقارير

الشجيفي: "العصمة الموهوم".. هل النقد بوصلة للوطنية أم ذريعة للاستبداد؟


       

قال الكاتب ، حافظ الشجيفي، إن في محراب السياسة، لا وجود لألوهية تصبغ كياناً أو مكوناً أو حزباً بهالة القدسية، ولا "حصانة" ترفع قراراته عن طاولة التمحيص والتقويم وهذه حقيقة فلسفية وواقعية، وحجر زاوية في بناء أي نظام رشيد.  فالأحزاب والمكونات والمجالس، أياً كانت سعة تمثيلها أو قوة تأثيرها، هي في جوهرها تجمعات بشرية؛ تديرها قامات قيادية تخطط وتنفذ ضمن سياق متغير ومتحول باستمرار ومن هذا التكوين البشري المعقد ينبثق احتمال الخطأ كظل لا يفارق الجسد سواء تجسد ذلك في سوء تقدير غير مقصود، أو قصور بيّن في الأداء، أو حتى انزلاق مقصود نحو الفساد وسوء النية والتلاعب بالقضايا الوطنية.
والادعاء بأن أي كيان سياسي "فوق النقد" أو "معصوم من الخطأ" ليس مجرد مغالطة منطقية، بل هو في حقيقته دعوة صريحة ومبطنة إلى الاستبداد، وترسيخ للجمود الفكري الذي يرفض التطور، وشرعنة للقمع السياسي لكل صوت مخالف.
ا
فالنقد البناء ليس ثوباً فضفاضاً من الشكوك المسمومة يتم اشهاره في وجه العمل الوطني، بل هو صمام أمان رئيسي يمنع الانزلاق الخطير نحو الخطأ، او الهاوية ويحول دون الانحراف والتلاعب بالقضايا الوطنية والمصيرية. باعتباره المحرك الأساسي لعملية الإصلاح والتحسين المستمر. والمجتمع الذي يضع كياناته السياسية موضع قدسية فوق النقد هو مجتمع متخاذل، يتنازل عن دوره الرقابي المشروع، ويفتح الباب واسعاً أمام التدهور المؤسسي والتراخي في تحمل المسؤولية.

وهناك مسلكان لا ثالث لهما في تعاطي المكونات السياسية مع فعل النقد فالمكونات التي تحتضن النقد تتبنى قناعة راسخة بأن الشفافية هي قوة بحد ذاتها، وأن النقد تغذية راجعة ذات قيمة لا تُقدر بثمن تتجلي سماتها الأساسية في المرونة الفكرية؛ حيث لا تتعامل مع سياساتها كحقائق مقدسة لا يجوز المساس بها، بل كخطط عمل قابلة للتعديل  والتطوير. وعند مواجهة حقائق جديدة أو نقد منطقي موثق، فانها تمتلك الشجاعة الأخلاقية والسياسية للاعتراف بالتقصير وتصحيحه علناً، مستخدمة النقد لتقوية هياكلها الداخلية وسياساتها المختلفة. كما تفتح قنوات رسمية وواضحة للجمهور، والمجتمع المدني، والإعلام، والمواطنين للتعبير الحر عن آرائهم وملاحظاتهم، وتتفاعل معها بجدية بهدف تحسين الأداء وخدمة المواطن والنجاح في القضايا الوطنية التي تمثلها، وتنظر إلى النقد كوسيلة لتحقيق هذه الغاية المنشودة.
 بينما المكونات التي تضيق بالنقد وتحاربه فانها تنظر إليه كتهديد وجودي أو محاولة سافرة لتقويض شرعيتها، خاصة عندما تحوز على ادوات السلطة. فغالباً ما تلجأ إلى تكتيكات دفاعية غير صحية؛ عبر التشكيك في نوايا المنتقدين بدلاً من الرد الموضوعي على جوهر النقد. حيث يتم توجيه اتهامات للمنتقدين بأنهم "أدوات لجهات خارجية"، أو "يسعون للفتنة"، أو يعملون لصالح"أجندات معادية"، بهدف تصفيتهم معنوياً وسياسياً. كما تعمل على إضفاء نوع من الحصانة الرمزية أو المطلقة على قيادتها أو قراراتها، جاعلة من نقدها "خط أحمر" لا يُمكن تجاوزه. وهي تعمل ضمن دوائر مغلقة، وتفشل في إقامة جسور حقيقية من التواصل مع الرأي العام، وتعتبر أي تسريب لمعلومة أو نقد داخلي خيانة يجب محاربتها بكل قوة. كما تستغل سيطرتها على أدوات السلطة أو الإعلام للتضييق على المنابر الإعلامية أو الشخصيات التي تنتقدها.

وقياساً على هذه المعطيات، يمكن تقييم تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي في هذا الجانب الحساس. فالملاحظ أن المجلس الانتقالي لا يتقبل النقد ولا يرحب به، بل يميل إلى اعتبار نفسه فوق النقد، مُوهِماً نفسه وقاعدته الشعبية بأنه معصوم من الخطأ تماماً حيث تتجلى هذه الآفة في محاولته حصر المنتقدين في خانة "الأعداء والخصوم" وخصوم الشعب الجنوبي وقضيته فقط، في محاولة بائسة لتوظيف قضية وطنية لتصفية حسابات فكرية وسياسية داخلية. اذ يحاول المجلس إيهام العالم بأن الجنوبيين الذين يمثلهم لا ينتقدونه، بينما المتأمل في الواقع يجد أن أصحاب المصلحة الحقيقية من المجلس ومن تقويم مسيرته هم الجنوبيون أنفسهم.
وهذا يحدث في ظل ارتكاب المجلس أخطاء كثيرة وكبيرة وواضحة، ومضرة ومؤثرة جداً في مسيرته التفويضية والسياسية منذ انطلاقها. والمفارقة المزعجة هي أن الإعلام الموالي له يواصل تقديم هذه الأخطاء والقرارات الخاطئة والفاشلة للجمهور على أنها انتصارات ونجاحات وإنجازات عظيمة تستحق التكريم والتصفيق، أو يصورها على أنها قرارات حكيمة. بالإضافة إلى ذلك، يميل المجلس وقادته إلى المديح والتطبيل ويصرفون على ذلك الأموال، ويضيقون بالآراء الصريحة والنقد الموضوعي. والادهى مما سبق هو أن المجلس الانتقالي لا يستفيد من هذا النقد مطلقاً، ولا يتفاعل معه أو يستسيغه، وكأن الأخطاء والانحرافات أصبحت منهجاً رئيسياً  في نهجه وسلوكه وسياساته. كما أن وسائله الإعلامية تخلو من نشر مقال أو رأي فكري ناقد وعميق ومؤثر، مع أن نشر مثل هذه الآراء يعزز ثقة الجماهير فيه ويحسن صورته لدى الشعب ويمنحه بعداً ديمقراطياً ووطنياً كبيراً.
إن المقياس الحقيقي لوطنية أي حزب أو مكون ليس في فخامة خطاب المديح الذاتي، بل في سعة صدره لتقبّل النقد الموضوعي والتعامل معه بمسؤولية ومهنية. فالمكون الذي يرتجف خوفاً من صدى صوته العادي لا يمكن أن يكون قائداً لصوت وطني حقيقي، قادر على الصمود في وجه التحديات الكبرى. ويبقى النقد، بمنطقه الفلسفي الصارم وواقعه السياسي الجلي، هو الإسمنت المسلح الذي يحفظ للكيانات السياسية رصانتها ودقتها ووضوحها، وهو العقلانية التي تبعدها عن هاوية الاستكبار السياسي المميت.