الشجيفي: الاستعمار الحديث لا يحتل الأوطان بالجيوش بل بالعُملاء وصناعة قيادات تابعة
قال الكاتب حافظ الشجيفي إن مفهوم الاستعمار في الذاكرة الجمعية للشعوب ارتبط طويلًا بصور الجيوش الغازية والموانئ المحتلة ونهب الثروات بشكل مباشر، موضحًا أن الاستعمار قديمًا كان عسكريًا واقتصاديًا بامتياز يفرض وجوده بقوة السلاح وبصورة مكشوفة لاستنزاف الموارد.
وأضاف الشجيفي أن صفحات التاريخ الحديث، خاصة في العالمين العربي والإسلامي، تكشف عن تحوّل جذري في طبيعة هذا الاستعمار، حيث تخلّى عن شكله العسكري المباشر وارتدى أقنعة جديدة لها طابع سياسي، معتبرًا أن الاستعمار السياسي أصبح المدخل الأساسي لفرض الهيمنة الاقتصادية، وليس العكس كما كان في السابق.
وأشار إلى أن جوهر هذا الاستعمار الحديث يتمثل في قدرة القوى الاستعمارية على التغلغل في بنية الدول والمجتمعات دون الحاجة لإرسال جنود أو فرض حكام من الخارج، مبينًا أن هذه القوى باتت تعتمد على “عملاء محليين” يتم زرعهم داخل النسيج الاجتماعي والسياسي، بما يوفر غطاء من “الشرعية المحلية” التي تخدع الرأي العام وتعقد مهمة مقاومتهم.
وتابع الشجيفي مؤكدًا أن عملية اختيار العملاء ليست عشوائية، بل تخضع لحسابات دقيقة، إذ تستهدف القوى الاستعمارية الفئات الأكثر ضعفًا وهشاشة في المجتمعات، واصفًا هؤلاء بـ"المنبوذين" و"الأدنياء" و"الأغبياء" الذين لم يجدوا لأنفسهم موطئ قدم طبيعي في المجتمع ولم يحلموا بالوصول إلى مراكز سلطة عليا، لكن يتم الدفع بهم إلى الواجهة لسهولـة التحكم بهم.
وأوضح أن هؤلاء الأشخاص يتم دعمهم اقتصاديًا ليصبحوا قوى مالية محلية يصعب منافستها، كما يحصلون على دعم عسكري لتعزيز قبضتهم الأمنية وسيطرتهم الداخلية، إضافة إلى منحهم غطاءً سياسيًا يضفي عليهم شرعية زائفة أمام شعوبهم، بينما يتم تسخير الإعلام لتلميع صورتهم وتحويلهم إلى "قادة وزعماء" في نظر الجماهير.
وأضاف الشجيفي أن المقابل لهذا الدعم غير المحدود هو ولاء مطلق وطاعة عمياء للأجندات الخارجية، دون نقاش أو اعتراض، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح الأمة أو أدى إلى تدمير مقدراتها، مشيرًا إلى أن هذا النموذج لا يقتصر على رؤساء الدول، بل يمتد ليشمل قادة أحزاب ومنظمات مجتمع مدني يتم اختيارهم ودعمهم بنفس الطريقة ليؤدوا أدوارًا مختلفة أمام الشعوب بينما يخدمون في النهاية نفس الجهة الخارجية.
وتابع موضحًا أن الرجال الوطنيين والمستقلين يشكلون العقبة الأكبر أمام هذه المخططات، لكونهم يمتلكون الولاء الحقيقي لأوطانهم، لذلك تتم محاربتهم بكل الطرق، سواء بالتشويه الإعلامي أو التهميش السياسي أو حتى التصفية الجسدية عبر أدوات محلية تخدم القوى الخارجية.
واختتم الشجيفي بالإشارة إلى أن هذا المشهد يتجلى اليوم في عدد من الدول العربية والإسلامية، حيث لا يأتي الاستعمار بالدبابات، بل يسيطر على القرار والعقول من خلال وكلاء محليين، مؤكدًا أن هذا الشكل من الاستعمار أكثر خطورة من الاحتلال العسكري المباشر، وأن إدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو التحرر الحقيقي.