أخبار وتقارير

فتحي بن لزرق: صنعاء مدينة الحلم التي أُعيدت مئة عام إلى الوراء


       

قال فتحي بن لزرق، خلال حديثه عن زيارته لصنعاء في العام 2010، إنه سافر إلى المدينة التي سيظل يحبها رغم أنه ليس أحد أبنائها، مشيرًا إلى أن الزيارة كانت خفيفة على الجسد لكنها أدمت قلبه كلما تذكرها. وأضاف بن لزرق أنه كان ضيفًا على منظمة دولية تولت تدريب الصحفيين، وفي فترات المساء كان يزور صديقه ياسر يماني الذي يعيش وحيدًا مع صديقين آخرين هما محمد ثابت، مهندس الإسكان ومدير الأراضي لاحقًا في عدن، وأبوبكر أحمد علي، مستشار محافظ عدن آنذاك.

وتابع بن لزرق أنه نزل بفندق في منطقة حدة أمام سوبر ماركت يُدعى (الجندول)، مشيرًا إلى أنهم خلال الزيارة كانوا يحاولون ملء ليالي المدينة الطويلة بخروجات بسيطة، تتضمن جولات في الأسواق، وصلاة جمعة في جامع قريب، ثم وجبات مشتركة في مطاعم تعج بالحياة. وأوضح أن المشي في شوارع صنعاء كان تجربة لاكتشاف عالم آخر، حيث بدت المدينة ككتاب مفتوح تحكي كل صفحة فيه قصة مختلفة عن وجه اليمن الذي كانوا يحلمون به.

وأشار إلى أن زياراته لبيت الثقافة كانت تبهره بالمشهد الثقافي والشعري، وقال: "كنت أتساءل ماذا لو تُركت هذه المدينة تمضي في حال سبيلها… ولو مضت، لمضى كل اليمن أيضًا." وأضاف أن الفلل الصغيرة التي كانت عبارة عن كافيهات، والمطاعم، والمراكز التجارية، ومعاهد اللغات، والمشاريع الصغيرة، والمنظمات، وورش العمل، والمؤتمرات، والأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني، كانت تجعل صنعاء مدينة تتنفس حضارة وتنمو من الداخل، حاملةً تعددًا يمنيًا يكاد يذوب في هوية جامعة لكل اليمنيين.

وقال بن لزرق إنه شعر حينها بالاختلاف الواضح بين صنعاء وعدن وغيرها من المدن اليمنية، وأضاف: "وجدت شبابًا يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وعقولًا تتفتح كل صباح، وأحلامًا تتسلل من بين الأرصفة والجدران إلى السماء." وتابع: "قلت لياسر وقتها: لو أخذت صنعاء عشر سنوات إضافية من الاستقرار، لن تعود كما كانت قديماً، ستتغير كليًا وستصبح مدينة لا تشبه إلا المستقبل."

وأوضح بن لزرق أن سنة واحدة فقط قلبت كل شيء، وقال: "سنة واحدة… وتحولت المدينة التي كانت تكبر بسرعة الضوء إلى مدينة تُسحب إلى الخلف بقوة الظلام، وأعيدت صنعاء مئة عام إلى الوراء." وأضاف أن معاول اليمنيين أنهالت على المدينة والأرصفة والأحلام، ولم تمضِ سنوات أخرى حتى جاء صراع صعدة ليقضي على ما تبقى. وأردف: "ومن عدن وقفت مشدوهًا أتابع المدينة وهي تحترق ومعها قلبي… وأقسم أنني يوم جمعة الكرامة بكيت من كل قلبي لأني أدركت أن القادم سيكون صعبًا."

وقال بن لزرق إن لقاءاته الأخيرة في القاهرة وعدن ومدن أخرى جعلته يرى بقايا تلك المدينة في شظايا البشر، مشيرًا إلى أن هؤلاء الأشخاص كانوا قبل الحرب على استعداد لتغيير اليمن كلها، واليوم يحملون ملفات لجوء مرئية وألمًا غير مرئي، يحكي قصة عشر سنوات من التيه والضياع، كان لصنعاء وعقولها وزهورها نصيب الأسد. وأضاف أن لقائه الأخير مع الصحفي أحمد الواسعي في شقته بالقاهرة أعاده إلى ذكريات 2010، وقال: "في شقة متر في متر يقطن أحمد وثلة من الزملاء، وكل يوم يطل بنظره من شرفة النافذة على أمل عودة لوطن قد لا يعود."

وتابع بن لزرق: "تناثر اليمنيون مثل نجوم انطفأت قسرًا، ومصابيح أصابها الصدأ وغاب عنها الصدى، وتحولت صنعاء إلى ذاكرة ثقيلة نجرها معنا أينما ذهبنا، نقلب في دفتر الذكريات ونشير بنصف إصبع مبتور إلى ما مضى من الصور، وفوق كل صورة تسقط دمعة." وأضاف: "كل واحد منا يحمل في روحه جزءًا مكسورًا من هذه المدينة، لكنها رغم كل شيء ما زالت هناك، في مكان ما داخلنا، تنتظر لحظة أن تُفتح أبوابها من جديد."

واختتم بن لزرق قائلاً: "آه يا صنعاء… يا وجعنا الكبير الذي لا يندمل… يا حسرتنا التي تخنقنا كلما تذكرنا كيف كنا وكيف أصبحنا… يا مدينة كانت تربي الحلم ثم ذبحت على عتبة الفوضى."