هاني القاسمي: الإصلاحات في اليمن تحتاج تكاتف الجميع ونية صادقة لتحقيق النهضة
قال الكاتب السياسي د. هاني بن محمد القاسمي: "في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الأوطان بما تمتلكه من موارد، ولا بما ترفعه من شعارات، بل بما تُظهره من إرادةٍ جمعية تتقدّم على الأهواء، وتسمو على الحسابات الصغيرة."
وأضاف: "وفي اليمن اليوم، تبدو الحاجة ملحّة إلى إدراك بسيط في ظاهره، عميق في جوهره، أن الإصلاح الحقيقي لا يصنعه فرد، ولا تنتجه مؤسسة منفردة، بل ينشأ من وعي عام يتقاطع فيه إخلاص الدولة مع صدق المجتمع."
وأشار القاسمي إلى أن "الإصلاحات ليست حزمة قرارات تُعلَّق على الجدران، وليست خطابات تُلقى في المناسبات؛ الإصلاحات موقف أخلاقي قبل أن تكون مشروعًا سياسيًا، وعقد وطني يقوم على حسن النية، واستعداد الجميع لطيّ مرحلة الاختلافات العقيمة، وتحويل مسار البلاد من دائرة الصراع إلى فضاء البناء."
وقال: "والمشهد اليمني – بتعقيداته وتشابكاته – لن يلين أمام الشعارات الفارغة، ولن يستجيب لمحاولات تجميل الواقع، مهما أُحسن إخراجها. فالأزمة بلغت من العمق ما يجعل أي تغيير مرهونًا بقدر كبير من الصدق مع النفس، والجرأة في الاعتراف بالأخطاء، والنزاهة في إدارة المرحلة القادمة؛ ذلك أن الأوطان لا تنهض بالمراوغة، ولا تبرأ جراحها بأنصاف المقاربات."
وأضاف: "ولأن الإصلاحات تحتاج إلى كتفَيْن، لا كتف واحدة، فإن المسؤولية اليوم مشتركة: الدولة مطالبة بإعادة ضبط بوصلتها وترسيخ قواعد الشفافية، وإحياء مؤسساتها بروح المصلحة العليا، بينما القيادات المجتمعية والسياسية مطالبة بالتخلي عن لغة المصالح الضيقة وصناعة توافقات لا تُقصي أحدًا، والمواطن مطالب بأن يكون جزءًا من الجهد الوطني، لا متفرجًا يكتفي بتوصيف الأزمة ثم يحمل غيره وزر النتائج."
وأشار القاسمي إلى أن "أهم ما تحتاجه المرحلة القادمة هو نية صادقة؛ نية تُخَلِّص العمل العام من شوائب الثأر السياسي، وتفتح المجال للكفاءات التي أُقصيت لسنوات، وتعيد الاعتبار لمعادلة 'الوطن فوق الجميع'."
وقال: "النوايا الحسنة لا تعوّض عن الخطط، لكنها تمنحها الشرعية الأخلاقية، وتمنع انحرافها عن الهدف."
وأضاف: "اليمن يقف اليوم عند مفترق لا يحتمل التردد؛ فإما أن نرتقي إلى مستوى التحدي ونجعل من التكاتف قاعدة العمل الوطني، أو نترك الفرصة تفلت مرة أخرى من بين أيدينا، وندفع ثمن غياب الإرادة الجمعية. والتغيير – حين يأتي – لا يسأل عن أسماء المشاركين فيه، بل عن حجم شجاعتهم، وصدق مقصدهم، وإخلاصهم لوطن أتعبته التجارب القاسية."
وأشار إلى أن "اليمن اليوم لا يطالب المستحيل، ولا ينتظر معجزة تهبط من السماء، بل يطلب شيئًا واحدًا ظل نادرًا في لحظات الانقسام: أن يصدق الناس مع وطنهم. فالبلاد التي أثقلتها الحروب لا تُشفى بالقرارات وحدها، بل بقلوب تؤمن أن المستقبل لا يمنحه الآخرون، بل نصنعه نحن إذا اجتمعنا على كلمة سواء."
وقال القاسمي: "وإذا لم نمنح هذه الأرض نيّة خالصة، وجهدًا مشتركًا، ومساحة لرجالها ونسائها المخلصين، فلن نخرج من الدائرة التي أضاعت من أعمارنا ما يكفي."
وأضاف: "وما لم نتذكر أن اليمن أكبر من خلافاتنا، وأبقى من كل سلطة، فلن يرحمنا التاريخ، ولن تصفح عنا الأجيال القادمة؛ أما إذا صدقت النوايا، واصطفت الإرادات، وارتفع صوت الوطن فوق كل الأصوات، عندها فقط سيبدأ اليمن مرحلة جديدة، تتكئ على حكمة ماضيه وتطلّع أجياله وتنهض من تحت الركام، كما نهضت أمم عظيمة من قبل."
وأشار إلى أن "الإصلاح ليس شعارًا نردده، بل عهد نكتبه مع أنفسنا: أن نكون بمستوى الوطن الذي يستحق أن نحمله في قلوبنا قبل أن نحمله على خرائط العالم."
وقال القاسمي: "إخوة الوطن؛ اللحظة التاريخية تتطلب منا أن نكون صفًا واحدًا خلف قيادتنا الحكيمة، وأن نشارك بجد واجتهاد في دفع عجلة الإصلاح التي يقودها فخامة رئيس الوزراء."
وأضاف: "فهي السبيل الوحيد لتحقيق النهضة المنشودة، والوصول بوطننا الحبيب إلى بر الأمان والاستقرار، حاملين معًا شعلة البناء والتقدم."