اليمن وخرائط النفوذ الجديدة في البحر الأحمر: صراع الممرات وأمن الموانئ يحدد مستقبل الدولة
قال الدكتور محمد قباطي، تعيش اليمن لحظة تتجاوز في عمقها حدود المشهد السياسي الداخلي، لتندرج في سياق أوسع يتمحور حول إعادة تشكيل معادلات النفوذ الإقليمي والدولي في البحر الأحمر، وممراته الحيوية، وسواحل القرن الإفريقي. ففي هذا الفضاء الجيو-اقتصادي الجديد، تبدو التطورات في عدن وصنعاء والمهرة ومأرب مجرد تجليات فرعية لعملية إعادة تموضع كبرى تتداخل فيها اعتبارات الأمن البحري، وتوازنات الطاقة، والتجارة العالمية، والممرات الرقمية، وصعود الفاعلين المحليين في المناطق التي تراجع فيها حضور الدولة المركزية.
إن ما يجري اليوم ليس إعادة توزيع للسلطة اليمنية فحسب، بل هو تحوّل في طبيعة موقع اليمن ذاته داخل منظومة الأمن الإقليمي؛ تحوّل يعكس انتقال مركز الثقل من صراع السلطة التقليدي إلى صراع السيطرة على الممرات التي تمر عبرها سلاسل القيمة الحديثة.
- اليمن في بؤرة تنافس الممرات البحرية
ومن هنا، لم يعد الصراع في اليمن شأنًا داخليًّا بمعزل عن هذا التحوّل. بل إن القوى الإقليمية والدولية تنظر إلى اليمن باعتباره جزءًا من معادلة حماية المضيق و«ضمان استقرار الممرات» بين قناة السويس وباب المندب والمحيط الهندي.
- حضور الشرعية واستمرار حاجة الإقليم لمرجعية الدولة
التحديات التي تواجهها الشرعية حقيقية، لكن توصيف المشهد بحدية يتغافل عن حقيقة أن استمرارها — ولو رمزيًّا — ما يزال جزءًا من منظومة إدارة التوازنات الإقليمية.
- صعود القوى الجنوبية ومتطلبات التوازن
صعود المجلس الانتقالي يمثل جزءاً من إعادة هندسة التمثيل المحلي ضمن مسار أوسع لإعادة تنظيم السلطة، مع مكاسب حقيقية وتحديات قائمة تتعلق بإدارة الخدمات وبناء نموذج مؤسسي مستدام.
- اليمن في إطار الهندسة الإقليمية الجديدة
ولا يقتصر تأثير هذه المحددات على إعادة رسم خريطة السلطة في اليمن، بل تمتد آثارها إلى تعريف طبيعة الدولة اليمنية نفسها خلال المرحلة المقبلة؛ دولة ذات بنية متعددة المستويات، تتعايش فيها المؤسسات المركزية مع سلطات محلية قوية تملك زمام الإدارة اليومية، بينما تشكل الجغرافيا البحرية الأوسع — لا السياسة اليمنية وحدها — الإطار الذي يُعاد داخله توزيع القوة وتحديد شكل الحكم ومستوى استقلالية المكونات المختلفة.
- نحو قراءة أكثر واقعية للمستقبل
وفي كل هذه السيناريوهات يبقى موقع اليمن في البحر الأحمر هو العامل الأكثر تأثيرًا؛ فهو الذي يحدد درجة الاستقرار الممكنة، ونمط الشراكات التي يمكن بناؤها، وحدود الدور الذي ستلعبه القوى المحلية، سواء في الجنوب أو الشمال. ومع تطور معادلات الملاحة والطاقة والتجارة الرقمية، يبدو مستقبل اليمن وثيق الارتباط بتطورات الإقليم أكثر من ارتباطه بمشهد الداخل وحده، ما يجعل قراءة المستقبل مرهونة بترابط البُعدين: اليمني والإقليمي في آنٍ واحد.
- خلاصة
ويبقى الثابت أن اليمن، بمضايقه وموانئه وموقعه، سيظل لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن البحري للقرن الحادي والعشرين.