الشجيفي: المسافة بين الواقع والوثيقة.. فلسفة الاستقلال القائم
قال الكاتب حافظ الشجيفي: "تجري المقادير في دورات الزمان بما لا يملك أحد سلطة لردها، وتتبدى الحقائق الكبرى فوق مسرح الأحداث حين تكتمل ملامح الصورة وتصل التفاعلات إلى نقطة الغليان التي لا ينفع معها إنكار أو مواربة."
وأضاف الشجيفي: "بينما نحن نعيش لحظة التحول الكبرى في هذه المنطقة الحيوية من العالم، نجد أنفسنا أمام مشهد جنوبي اكتملت فصوله وبات يفرض حضوره الطاغي فوق كل التقديرات والحسابات، ذلك أن استقلال الجنوب لم يعد مشروعًا مؤجلاً في حقائب السياسيين أو حلمًا يداعب خيال الثوار في الساحات والشوارع، بل صار قدراً مقدوراً وواقعاً شاخصاً للعيان."
وأشار الشجيفي: "الأرض اليوم باتت تحت الأيدي، والقرار صار ملكاً لأصحابه دون منازع، والسيادة الجنوبية بسطت رداءها على كل شبر من الجغرافيا لتعلن أن صاحب البيت قد استرد مفاتيحه، ولم يتبقى إلا اللمسة الأخيرة المتعلقة بالإشهار السياسي لهذا الاستقلال أمام المحافل الدولية، وهو فرق تقني محض بين كينونة الدولة والاعتراف الدبلوماسي بها."
وتابع الشجيفي: "غياب الإعلان الرسمي لا ينفي الوجود الفعلي للدولة الجنوبية، ولا ينتقص من حقيقة أن الجنوب بات مستقلاً بإرادته ومؤسساته وقدرته على ضبط إيقاع حياته. نحن نمسك بزمام السلطة ونمارس السيادة الكاملة التي لا تقبل القسمة، ولا تسمح بظهور شريك يدعي لنفسه حقاً في تراب دفع الشعب أثمانه من دمه وصبره الطويل."
وأضاف الشجيفي: "القراءة المتأنية لموازين القوى تكشف بوضوح أن القوى التي استمرأت احتلال الجنوب فقدت السيطرة بشكل كلي، وتبخرت كل رهاناتها الميدانية، ولم يعد لها من سبيل سوى التشبث بخيوط واهية من الرهان على التدخلات الخارجية، وهو رهان محكوم عليه بالانكسار أمام صخرة الإصرار الشعبي الجنوبي الصامد."
وأشار الشجيفي: "المجتمع الدولي ببرودته المعهودة وحساباته الدقيقة، ومعه الإقليم بهواجسه وتوازناته، لا يمكنهما تجاهل إرادة الشعوب الحية من أجل إرضاء نخب سياسية متآكلة أو سلطات مهترئة فقدت صلاحيتها الأخلاقية والواقعية. ولن يقف العالم ضد تدفق الجماهير لخدمة سياسيين أثبتت التجربة فشلهم في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار."
وتابع الشجيفي: "تطلعات الشعب الجنوبي لا تتعارض أبداً مع المصالح الاستراتيجية للمجتمع الدولي، بل لعلها الضمانة الوحيدة لتأمين تلك المصالح في منطقة تتقاذفها أمواج الاضطراب."
وأضاف الشجيفي: "القوى في الشمال، وفي طليعتها مليشيات الحوثي، لن تجد في نفسها الدافع للعودة إلى ترتيب بيتها الداخلي أو الالتفات إلى الأزمات المتراكمة، ولن تيأس من محاولات التسلل إلى الجنوب إلا إذا رأت خطوات حاسمة ومؤسسية يتبناها المجلس الانتقالي لتثبيت دعائم الدولة وترسيخ أركانها القانونية والإدارية، وذلك بالتوازي مع زخم الاعتصامات الشعبية التي تمثل الروح النابضة لهذه القضية."
واختتم الشجيفي: "الواقع يفرض الانتقال من مرحلة التحرير إلى مرحلة التقرير، وبناء الهياكل الصلبة التي تحول النصر العسكري إلى استقرار سياسي دائم، لتدرك كل القوى المتربصة أن العودة إلى الوراء صارت من المستحيلات، وأن الجنوب قد حزم أمره ورتب بيته واستعد لصياغة مستقبله بعيداً عن أي تبعية لم تعد تملك من مقومات البقاء إلا الاسم المسطور في أوراق الماضي."