أخبار وتقارير

الشجيفي: الضالع.. تجليات الجذر النضالي وصمام أمان الحلم الجنوبي


       

في قلب العاصمة عدن، وحيثما تتنفس الحرية من رئة البحر، قال حافظ الشجيفي: تشرع الساحة ذراعيها لاستقبال هدير بشري لا يشبهه الا اندفاع السيول في بطون الاودية، حين يقرر التاريخ أن يكتب فصلاً جديداً من فصول السيادة والكرامة، حيث لم تكن ساحة العروض بخورمكسر مجرد حيز مكاني ضيق، بل غدت اليوم وعاء وطنياً مقدساً يصب فيه ذلك النهر العارم المتدفق من جبال الضالع الشماء، ليؤكد أن وحدة الدم والمصير ليست شعاراً يرفع في الواجهات بل هي حقيقة وجودية تتجسد في زحف الرجال الذين نذروا أرواحهم لتربة هذا الوطن.

قال الشجيفي: فالمشهد الذي يرسمه أبناء الضالع اليوم في قلب عدن يتجاوز حدود الوصف العابر، فهو تجلي عبقري للمكانة الوطنية والنضالية التي احتلتها هذه المدينة في وجدان كل جنوبي، وهي التي كانت وما زالت الرافد الذي لا ينضب في مجرى التلاحم الشعبي العظيم الساعي نحو استعادة المجد المسلوب وتحقيق الاستقلال الذي لا رجعة عنه.

وأضاف الشجيفي: إن الحديث عن الضالع هو في جوهره حديث عن جذر النضال الذي يمتد إلى ما قبل الميلاد الأول لدولة الجنوب العربي، فهي لم تكن يوماً مجرد منطقة جغرافية، بل كانت كما ظلت على الدوام الترس المنيع الذي تتحطم عليه أطماع الغزاة، والنصل الحاد الذي لا يخيب حين تشتد الخطوب، وخط الدفاع الأول والأخير الذي يحرس حلم الدولة من التبديد.

قال: وهي مصنع الثوار الأوائل ومأوى الشهداء الذين توالدتهم تربة الجنوب بخصوبة منقطعة النظير، حتى صار الدم الضالعي جزءاً أصيلاً من نسيج كل ذرة رمل من المهرة إلى باب المندب.

وأضاف: ولعل القول بأننا لو لم تكن الضالع موجودة لاخترعناها ليس من قبيل المبالغة الأدبية، بل هو اعتراف بضرورة فلسفية ووجودية، إذ لا يستقيم للجنوب كيان ولا يكتمل له بنيان دون هذا العمود الفقري الذي يمنحه القوة والصلابة والقدرة على الانتصاب في وجه العواصف.

وأشار الشجيفي: وقد برهنت سنوات النضال الطويلة ضد قوى الاحتلال والضم والإلحاق أن الضالع كانت السباقة دوماً في ميادين المواجهة، سواء كانت المواجهة صرخة سلمية في وجه الظلم أو رصاصة حق في صدر البغي.

وقال: كما كانت الأكثر سخاء في تقديم قرابين الحرية، فما من بيت فيها إلا وله حكاية مع المعتقلات أو قصة فخر مع الجرحى أو وسام عز مع الشهداء، ولذلك نالت النصيب الأكبر من حقد المحتلين الذين أدركوا أن كسر إرادة الجنوب يبدأ بكسر بوابة الضالع، وهو أمر أبعد عليهم من نيل الثريا.

وأضاف: فقد قامت الضالع بدورها الوطني على الوجه الأكمل، وظلت صامدة في خنادق الدفاع عن الأرض، وها هي اليوم تزحف نحو عدن لتشارك إخوتها المعتصمين تلك اللحظات الحاسمة التي تسبق رفع راية الاستقلال، لتبعث برسالة يقين مفادها أن القلق لا مكان له ما دام في الجنوب قلب ينبض بنبض الضالع، وأن الاستقلال لم يعد مجرد أمنية بل أصبح قدراً محتوماً تراه العيون في إصرار هؤلاء الرجال.

وأكد الشجيفي: فالضالع التي كانت وما زالت البوابة الشمالية للجنوب، أغلقت هذه البوابة إلى الأبد في وجه كل مشاريع اليمننة والتبعية، وعندما تغلق الضالع بابها، فإن كل المسميات الزائفة من وحدة قسرية أو الحاق استعلائي تسقط وتتهاوى تلقائياً أمام حقيقة الأرض والإنسان.

وأوضح: وهذا الاندماج المهيب بين عدن والضالع في ساحة العروض هو الرد العملي والموضوعي على كل محاولات التفتيت والتمزيق، وهو البرهان الساطع على أن الروح الوطنية الجنوبية قد بلغت مرحلة من النضج والتماسك تجعل من استعادة الدولة مسألة وقت لا غير.

وقال الشجيفي: هكذا نرى التاريخ يكتب نفسه بمداد من نور ونار، حيث تلتقي إرادة الجبل بعنفوان البحر، لتعلن للعالم أجمع أن الجنوب باقي، وأن الضالع هي صمام أمانه، وأن مسيرة التحرر قد بلغت غايتها المنشودة بفضل هذا التلاحم الذي لا يقهر.