أخبار وتقارير

عدن والتمثيل الغائب في الحوار الجنوبي: مدينة حاضرة في الخطاب مغيّبة عن القرار


       

قال الكاتب عارف ناجي علي، في خضم الحديث المتصاعد عن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض، تبرز قضية جوهرية لا يمكن القفز عليها أو التعامل معها كمسألة ثانوية، وهي تمثيل عدن وأبنائها تمثيلًا حقيقيًا وعادلًا، لا شكليًا ولا محصورًا في أسماء بعينها اعتادت احتكار المشهد.

وأضاف الكاتب أن التجربة أثبتت، وعلى مدى سنوات، أن اختزال عدن في عدد محدود من الشخصيات لم يؤدِّ إلا إلى إضعاف صوتها الحقيقي، وإفراغ حضورها السياسي من مضمونه، إذ لم يمثل هؤلاء عدن بقدر ما مثلوا أنفسهم، وكانت أصواتهم عالية حين تعلّق الأمر بالمناصب والوظائف والمكاسب، بينما ظلّت المدينة نفسها غائبة عن القرار، وعن الخدمات، وعن أولويات الدولة.

وأشار الكاتب إلى أن عدن اليوم بحاجة إلى أن تكون حاضرة بقوة وبأبنائها ومكوناتها الحقيقية، لا عبر تمثيل انتقائي يعيد إنتاج الإقصاء والعزلة، مؤكدًا أن المدينة دفعت أثمانًا باهظة في مختلف المراحل والمنعطفات السياسية، وسط إصرار مستمر على تجاهل صوتها المدني والتعددي لصالح أسماء لا تقبل الشراكة ولا تؤمن بتعدد الآراء.

وتابع الكاتب أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن عدن حاضرة بقوة في الخطاب السياسي، لكنها غائبة في جوهر القرار، إذ تُذكر في المؤتمرات والتصريحات، بينما يغيب اسمها حين تُرسم السياسات، أو تُوزع الموارد، أو تُحدَّد الأولويات، في وقت تعاني فيه المدينة من تدهور حاد في الخدمات الأساسية، من كهرباء شبه منعدمة، ومياه شحيحة، وقطاع صحي متعب، وتعليم يعاني الإهمال، وغلاء معيشة يثقل كاهل المواطنين، مع انعدام فرص العمل.

وأوضح الكاتب أن كل ذلك يحدث في مدينة كانت ولا تزال ركيزة اقتصادية وموردًا ماليًا مهمًا، وتمتلك تاريخًا وهوية مدنية لا يمكن إنكارها أو تجاوزها، مشددًا على أن عدن ليست مجرد عاصمة مؤقتة أو موقع جغرافي، بل مدينة لها خصوصيتها وتنوعها وثقافتها المدنية المتشكلة عبر عقود.

وأكد الكاتب أن اختزال عدن في كونها ساحة للصراعات السياسية يُعد ظلمًا مضاعفًا، ظلمًا للمدينة وظلمًا لأبنائها الذين تُدار شؤونهم فوق رؤوسهم دون إشراك حقيقي في الإدارة وصنع القرار، لافتًا إلى أن عدن لا تحتاج إلى شعارات رنانة، بل إلى سياسات عادلة وتمكين حقيقي لأبنائها من إدارة شؤون مدينتهم، ومنحهم الأولوية في الخدمات والرواتب والتنمية المحلية، واحترام هويتهم المدنية والتعددية.

وأشار الكاتب إلى أن أي حوار جنوبي لا يضع عدن في موقعها الطبيعي، ولا يضمن تمثيلها الحقيقي بأبنائها، سيظل حوارًا منقوصًا مهما كانت نواياه أو شعاراته، موضحًا أنه إذا لم تكن عدن المستفيد الأول من أي مشروع سياسي أو اقتصادي أو تنموي أو أمني، فإن كل ما يُقال سيبقى ناقصًا، وستظل معاناة عدن سؤالًا مفتوحًا بلا إجابة.

واختتم الكاتب بالتأكيد على أن مؤتمر الرياض يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لتصحيح المسار، شريطة كسر دائرة الإقصاء، والاعتراف بأن عدن لا يمكن تمثيلها بأسماء مفروضة أو محتكرة، بل بأبنائها الحقيقيين، وبمكوناتها المتنوعة، وبصوتها الحر، محذرًا من أن غياب ذلك سيبقي الحديث عن الشراكة مجرد خطاب، وستظل عدن خارج معادلة القرار رغم أنها في قلب كل معادلات الجنوب واليمن.