الشجيفي: خريف الجمود وربيع الحوار.. كيف فرضت حضرموت والمهرة واقعًا جديدًا؟
قال الكاتب حافظ الشجيفي، حين تقرأ صفحات التاريخ بروح المحلل وتستعرض خرائط القوى بمنطق الجغرافيا السياسية، تدرك أن الأحداث الكبرى لا تقع بمحض الصدفة، وإنما هي تجسيد لصراع الإرادات فوق رقعة الشطرنج الدولية والمحلية، حيث لا مكان لمن ينتظر إشارة البدء من الآخرين، بل المكان دائمًا لمن يصنع الفعل ويفرض الواقع الذي لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه.
وتابع: ومن هنا نجد أنفسنا أمام مشهد جنوبي أعاد صياغة نفسه في لحظة فارقة من عمر المنطقة، ذلك أن الحوار الجنوبي–الجنوبي الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية مؤخرًا لينعقد في الرياض، يمثل في جوهره نقطة تحول استراتيجية لم تكن لتحدث لولا تلك الحركة العنيفة والواثقة التي أحدثها المجلس الانتقالي الجنوبي حين قرر تحريك سواكن المشهد في حضرموت والمهرة، ومن ثم أتبعها بإعلان دستوري وضع الجميع أمام حقيقة أن القضية الجنوبية ليست ملفًا يمكن ركنه في زوايا النسيان، أو تركه يراوح مكانه في ظل ذلك الجمود الرهيب الذي خيّم على القضية الجنوبية لسنوات طويلة دون أن يلتفت إليها كائن من كان، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي.
وأضاف: فقد كانت الرسالة واضحة بمحتواها أن الجنوب يمتلك مفاتيح الأرض، وقدرة المناورة السياسية التي تجبر الأطراف كافة على إعادة الحسابات، ولست أبالغ إذا قلت إن رشاد العليمي لم يكن ليطلب من الرياض تبني هذا الحوار لولا إدراكه أن الأرض بدأت تمور تحت الأقدام، وأن القوى الجنوبية تجاوزت مرحلة الشعارات إلى مرحلة الفعل المؤسسي والعسكري الذي يفرض الندية.
وأشار: ومن العبث بمكان أن يقال إن تدخل الطيران الحربي السعودي وإجبار القوات الجنوبية على التراجع في حضرموت والمهرة يمثل انكسارًا، بل هو في ميزان الربح والخسارة انتصار سياسي باذخ القيمة، فالمهم في صراع القوى ليس دائمًا كسب الموقع الجغرافي، بل كسب الاعتراف بالثقل السياسي، وهو ما تحقق بدعوة الرياض لكافة الأطراف الجنوبية للجلوس تحت سقف واحد لتحديد ملامح المستقبل، بعد أن كانت القضية الجنوبية خارج سياق الأولويات والاهتمام.
وقال: لذا فإن الإجماع الجنوبي المرتقب يمثل ضرورة وجودية، وعملًا يصب في مصلحة القضية الجنوبية بصرف النظر عن التفاصيل أو النتائج الآنية التي ستترتب عليه، فنحن أمام عملية تاريخية معقدة، وندرك أن استقلال الجنوب لن يأتي بضربة حظ أو دفعة واحدة، وإنما عبر مراحل سياسية متدرجة تتطلب نفسًا طويلًا ومرونة فائقة.
وتابع الكاتب: بيد أن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح وصراحة هي أن هذا الإجماع، مهما بلغت قوته وتماسكه، سيظل ناقصًا في ميزان الحل النهائي ما لم يقابله إجماع شمالي–شمالي ينهي حالة الشتات والتمزق بين القوى والأطراف الشمالية المختلفة، فليس من المنطق ولا من العقلانية في شيء أن تظل السعودية قادرة على إرغام الجنوبيين على البقاء في هذا الوضع المعلّق في علاقتهم مع الشمال لفترة طويلة، بانتظار أن يوحد الشماليون صفوفهم ويحددوا مصيرهم.
وأضاف :إذ إن الرباط القائم بين الجنوب والشمال اليوم هو في حقيقته رباط اصطناعي، فرضته ضرورة التدخل العسكري والسياسي السعودي، وهو مرهون بموقف الرياض، التي قد تجد نفسها مضطرة لتغيير بوصلتها إذا استمر الشمال في تخبطه وصراعاته البينية، في الوقت الذي يذهب فيه الجنوب نحو رص صفوفه وبناء مؤسساته.
وختم بالقول: ومن هنا فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق المجلس الانتقالي، وهو يحزم حقائبه إلى الرياض، تقتضي أن يضع رعاة الحوار أمام خيارات واضحة وصريحة: بأننا فعلنا كل ما يتوجب علينا ووحدنا جبهتنا الداخلية، فإما أن يتم الضغط على الأطراف الشمالية لتتفق على موقف موحد نتمكن من الجلوس معه لاحقًا برؤية واضحة، وإما أن تتخلى السعودية عن موقفها الراهن الداعم لبقاء هذا الوضع القائم، وتدعم الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته، أو على أقل تقدير تلتزم موقف الحياد وتترك الأرض لأهلها، ونحن حينها نمتلك من الإرادة والقوة ما يكفي لإكمال ما بدأناه وفرض السيادة الكاملة على ترابنا الوطني، فالحقوق في نهاية المطاف لا تُمنح بالوعود، بل تُؤخذ بالاقتدار والتماسك.