القاسمي : عودة السكينة العامة: "أول خطوات التنمية والنمو الاقتصادي المستدام"
قال الكاتب السياسي، د. هاني بن محمد القاسمي إنّه لا يمكن لأي مشروع تنموي أن يرى النور في بيئة مضطربة، ولا لأي اقتصاد أن ينهض على أرض تهتز فيها الطمأنينة ويغيب عنها الشعور بالأمان.
وأضاف أن السكينة العامة ليست ترفًا سياسيًا أو مطلبًا ثانويًا، بل هي الأساس المتين الذي تُبنى عليه الدول، وتنطلق منه عجلة التنمية، ويتحقق في ظلها النمو الاقتصادي المستدام.
وأشار إلى أنّ أي رؤية للإصلاح أو الدعم، في أي مجال من مجالات التنمية، لن تؤتي ثمارها إلا من خلال وجود الأمن والاستقرار، الذي يمثل البيئة الطبيعية لأي نشاط إنساني أو اقتصادي في أي مجتمع كان.
وأوضح القاسمي أنّه بدون هذه البيئة الحاضنة، تتحول الخطط الطموحة إلى حبر على ورق، وتتبخر الاستثمارات وتضيع الطاقات.
وتابع أنّ عودة السكينة إلى المجتمع تعني قبل كل شيء استعادة هيبة الدولة وسيادة القانون، بحيث يشعر المواطن أن حقوقه مصونة، وأن الواجبات موزعة بعدالة، وأن المؤسسات تقوم بدورها دون انتقائية أو تمييز؛ فحين يسود القانون، يطمئن المستثمر، ويأمن العامل، وتستقر حركة السوق، وتُستعاد الثقة بين الدولة والمجتمع.
وأضاف أنّ السكينة العامة لا تُختزل في غياب السلاح أو توقف المواجهات فحسب، بل تتجسد في استقرار سياسي حقيقي، وإدارة رشيدة، وخطاب وطني جامع يطفئ نيران الكراهية ويعزز قيم التعايش والشراكة. فالأمن النفسي والاجتماعي هو الوجه الآخر للأمن الميداني، وبدونهما معًا لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية أو اقتصاد متماسك.
وأشار إلى أنّ رأس المال بطبيعته يبحث عن البيئات الآمنة والمستقرة، حيث تتوفر ضمانات الاستثمار، ووضوح السياسات، واستمرارية القرار، مؤكدًا أنّ كلما طال أمَد الاضطراب، ارتفعت كلفة المخاطر، وتراجعت فرص النمو، واتسعت دوائر الفقر والبطالة، وتآكلت الموارد دون عائد تنموي ملموس.
وأضاف أنّ مكافحة الفساد المالي والإداري لا يمكن أن تؤتي ثمارها في بيئة تعج بالاضطرابات والفوضى، إذ إن حالات الاضطراب وانفلات النظام تشكل الحاضنة المثلى لتمدد الفساد، وتمنح الفاسدين هامشًا واسعًا للتحرك بعيدًا عن الرقابة والمساءلة.
وأكد أنّ المجتمع المستقر وحده هو القادر على كشف مواطن الخلل، وتفعيل أدوات المحاسبة، وتمكين مؤسسات الرقابة من أداء دورها بكفاءة وشفافية، بما يضمن حماية المال العام وترسيخ مبادئ النزاهة.
وشدد على أنّ السكينة العامة تفتح الباب أمام إعادة بناء الإنسان قبل البنيان؛ إذ تسمح بتوجيه الطاقات نحو التعليم والتأهيل والإنتاج، بدلًا من استنزافها في الصراعات والهواجس الأمنية؛ وحين يشعر المواطن بالأمان، يتحول من متلقٍ للمساعدات إلى شريك في الإنتاج، ومن عبء على الدولة إلى رافعة من روافع الاقتصاد.
وأفاد القاسمي أنّ التنمية المستدامة لا تقوم على حلول مؤقتة أو معالجات إسعافية، بل على استقرار طويل الأمد تُصان فيه الحقوق، وتُحترم فيه المؤسسات، وتُدار فيه الموارد بعقلانية ومسؤولية، مؤكدًا أنّ كل ذلك يبدأ بخطوة جوهرية واحدة: إعادة السكينة العامة إلى المجتمع، بوصفها المدخل الطبيعي لكل إصلاح، وأول الطريق نحو مستقبل اقتصادي مزدهر.
وتابع أنّ أي رؤية جادة للنهوض الاقتصادي يجب أن تضع السكينة العامة في صدارة أولوياتها، لا كشعار يُرفع، بل كسياسة تُطبق، وإرادة تُترجم على أرض الواقع.
وأوضح أنّه حيثما عادت السكينة، عادت الحياة، وحيثما استقر المجتمع، وُلِد الأمل، وانطلقت مسيرة التنمية بثبات وثقة نحو الغد المنشود.
وختم بالقول: لا مفاوضة على حجر الأساس؛ فكما أن البنيان ينهار إذا اهتز أساسه، فإن أحلام التنمية تتحطم على صخرة الاضطراب، ويجب أن نبدأ من حيث يجب أن نبدأ: بالأمن والاستقرار؛ فهو الوعاء الذي يحفظ كل جهودنا، والضمان الوحيد لتحويل الطموحات إلى إنجازات، والخطوط على الورق إلى واقع يعيشه كل مواطن.