القاسمي: حين نُنصِف عدن… نُنصِف ضمير الوطن أولًا
قال الكاتب د. هاني بن محمد القاسمي، إن عدن ليست مجرد مدينة على خريطة اليمن، ولا ميناءً يُختزل في الأرصفة والسفن، بل هي ذاكرة وطن نابضة، ومرآة تعكس تاريخًا طويلًا من التعايش والتنوع والانفتاح، ووجهًا مشرقًا من وجوه اليمن حين كان الأمل أكبر من الألم.
وأضاف أن هذه المدينة التي عانقت البحر واحتضنت القادمين من كل الجهات، تستحق اليوم أكثر من مجرد وعود عابرة أو حلول مؤقتة، بل تستحق إنهاءً حقيقيًا لمعاناتها الممتدة.
وتابع أن سنوات الاضطراب أنهكت عدن، وتراكمت فوق كاهلها أزمات ثقيلة انعكست على حياة أهلها، من تدهور في الخدمات، واقتصاد مُنهك، وأفق يضيق كلما اتسعت دائرة الصراع من حولها.
وأشار إلى أنه، وعلى الرغم من كل ذلك، ظل أبناء عدن متمسكين بروح المدينة؛ روح الصبر والكرامة والعمل، يواجهون الظلام بابتسامة، ويقابلون العسر بالأمل.
وأوضح أن عدن لا تطالب بالمستحيل، بل بحقها الطبيعي في الاستقرار والعدالة والتنمية، مطالبة بدولة تحميها لا تُثقلها، وبإدارة تخدمها لا تتاجر بمعاناتها، وبمشاريع حقيقية تُعيد إليها دورها التاريخي كمحور اقتصادي وثقافي يربط اليمن بالعالم.
وأكد أن إنهاء معاناة عدن ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية، فحين تنهض عدن ينهض معها جزء أصيل من اليمن، وحين تُظلم، يظلم معها الأفق الوطني كله، قائلًا: “هذه المدينة التي كانت دائمًا بوابة الضوء، لا يجوز أن تبقى أسيرة العتمة”.
وأضاف أن المطلوب اليوم هو رؤية صادقة وشراكة حقيقية بين السلطة والمجتمع، تُقدّم الإنسان قبل الحسابات، والمصلحة العامة قبل المصالح الضيقة.
وتابع أن استعادة كرامة عدن الخدمية تمثل أولوية، من خلال فتح أبواب الفرص أمام شبابها بدل أبواب اليأس، وضمان أن يشعر المواطن بأن صوته مسموع وحقه مصون.
وأشار إلى أن عدن تستحق أن تتنفس بلا انقطاع للكهرباء، وأن تسير شوارعها بلا قلق، وأن يعود ميناؤها نابضًا بالحياة، وأسواقها عامرة، ومدارسها وجامعاتها منارات للعلم، ومستشفياتها ملاذًا آمنًا لا محطة للألم.
وأكد أن هذه المدينة ليست عبئًا على الوطن، بل ركيزة من ركائزه، ومن واجب الجميع – دولة ومجتمع – العمل بصدق لإنهاء معاناتها، لأن عدن حين تُنصف، يُنصف اليمن كله معها.
وأضاف أن إنهاء معاناة عدن ليس مجرد ملف يُغلق، بل ميثاق أخلاقي وعقد تاريخي بين اليمن ومصيره، فعدن التي احتضنت الجميع لا يجوز أن تكون ضحية للجميع.
وختم بالقول إن الواجب الوطني يحتم أن نكون أمناء على ذاكرة عدن النابضة، وأن ننتقل من مجرد الحديث عن “إنقاذها” إلى عمل دؤوب لإطلاق طاقاتها، ليكون شعار المرحلة: “عدن تستحق”.
عدن تستحق أن تكون بداية حقيقية ليمن جديد، يُبنى على جسور من العدالة والجدارة والتخطيط السليم، فحين تشرق شمس عدن بلا دخان، سيشرق فجر اليمن كله.