أخبار عدن

الشجيفي: أدب المحنة… حين تفشل سياسة التجويع أمام صلابة الإرادة الجنوبية


       

قال الكاتب حافظ الشجيفي، أن عندما  تتحول المعاناة إلى لغة مقاومة، ويغدو الجوع امتحانًا للإرادة لا وسيلة لكسرها، حيث يثبت شعبٌ أن الكرامة أقوى من الحصار، وأن الحرية لا تُقايَض بلقمة عيش ولا تُقهر بسياسات التجويع.

 
وجاء المقال كالتالي: 
 
تتجلى عظمة الشعوب الحية في قدرتها على صياغة الألم في قالب من الصبر، واستحالة الضيق إلى فسحة من الكبرياء، فما كانت الشعوب التي رضعت حليب الحرية لتستكين لغائلة الجوع، أو تخضع لسطوة الحاجة، وهي التي توقن أن الكرامة ظل الله في ارضه، فمن فرط فيها فقد انسلخ من إنسانيته قبل وطنيته.
 
 
حيث توهمت تلك القوى، ومن شايعها من شتات ما يسمى بالشرعية وأحزاب اليمن المترهلة، أن عقدا من الزمان كفيل بإنهاك الروح الجنوبية، وظنوا واهمين أن التضييق في المعاش، وافتعال الأزمات في الخدمات، وقطع الأرزاق، وحرمان الناس من أبسط مقومات البقاء، هي أدوات الترويض التي ستحيل الليث حملا، وتجعل صاحب الحق ينسى حقه في زحام البحث عن رغيف الخبز وكانت الحسابات السياسية المادية القاصرة تراهن على خروج الناس إلى الساحات في مظاهرات سلمية يطلبون ماء أو كهرباء أو راتبا، ظانين أن صرخة الجوع ستعلوا فوق نداء الاستقلال، وأن الأمعاء الخاوية ستخرس الضمائر الحية، فكان المقياس لديهم أن الانكسار يبدأ من المطالب الخدمية، إذ رأوا في خروج الشعب للمطالبة بالخدمات وتحسين الاوضاع المعيشية وصرف الرواتب المقطوعة إعلانا ضمنيا عن سحب التفويض من القضية الكبرى، وتنازلا عن تلك الدولة المنشودة التي تسكن في عمق الوجدان الشعبي.
 
بيد أن هذا الشعب العظيم، الذي استلهم صموده من جباله الراسخة وبحاره الهادرة، خيب ظنون المقامرين بمصيره، إذ عض على الجرح بنواجذ الإيمان، ولم يبع التاريخ بلقمة مغموسة بالذل، فمرت السنوات العجاف وهي لا تزيد المعدن إلا صفاء، ولا تمنج الإرادة إلا صلابة. وما فتئ المخططون يرقبون مؤشرات الانهيار، وينتظرون لحظة التقهقر، حتى إذا أزفت ساعة الصدق في ديسمبر المنصرم، واستجاب هذا المارد لدعوة المجلس الانتقالي، خرج الناس زرافا ووحدانا، لا ليهتفوا للخبز بل للوطن، ولا ليطلبوا المعاش بل ليسودوا في أرضهم بسيادة لا تقبل القسمة ولا الهوان.
 
ومثل خروجهم في اعتصاماتهم المفتوحة صدمة مروعة لتلك الدوائر التي ظنت أنها أحكمت الطوق، فإذا بالزخم الجماهيري والحماس المشتعل يبعث برسالة فحواها أن الشعوب التي تعشق الحرية تصوم عن كل شيء إلا عن كرامتها، وأن سياسة التدجين التي استمرت عقدا من الزمان لم تكن إلا وقودا لمحرقة التهمت أوهامهم وافسدت مؤامراتهم..
 
وهذا الصمود الأسطوري أثار حفيظة المتربصين، وحرك كوامن الحقد في نفوس من لم يرق لهم أن يروا الجنوب سيدا على ترابه، فكان الرد الذي تجاوز كل حدود المنطق والأخلاق والعروبة، إذ انطلق الطيران الحربي السعودي يعربد في السماء، ليصب جام غضبه على القوات الجنوبية الباسلة التي طهرت حضرموت والمهرة من دنس الاحتلال وبقايا أدواته. وكان الغدر شيمة الضعيف الذي عجز عن كسر الإرادة بالسياسة، فلجأ إلى النار ليحرق الإنجازات التي سطرها الأبطال بدمائهم، فارتقت الأرواح الطاهرة في غدر مفضوح، وتجلت بشاعة الخديعة حين استغلت الرياض دعوة الحوار لتجعلها فخا للمفاوضين، في محاولة يائسة لإرغام وفد المجلس الانتقالي على حل الكيان الذي يمثل نبض الشعب وشرعية وجوده. في اساليب تفتقر إلى النبل والفروسية، وتجافي قيم الجوار، وتصطدم بصخرة الحق الجنوبي الذي لا يتزعزع، فالمجلس ليس مجرد مبنى أو أسماء، بل هو فكرة الاستقلال التي استوطنت القلوب، والفكرة لا تموت بقرار، ولا تندثر بضغط، بل تزداد اتقادا كلما اشتدت عليها الرياح العاتية، ليبقى الجنوب عصيا على الانكسار، شامخا شموخ الحق في وجه الباطل.