أخبار وتقارير

كاتب سياسي: حين يُحتوى الصوت الحر.. التهديد الناعم للقضايا العادلة


       

قال الكاتب السياسي د. م. علي يحي الطفي، هناك في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُهزم القضايا العادلة بالقرارات الصلبة وحدها، ولا تُكسر الإرادات بالقوة المباشرة دائمًا. فالتجارب السياسية القديمة والحديثة تُظهر أن أخطر ما تواجهه الشعوب في مساراتها الوطنية هو الاحتواء الناعم للأصوات الحرة؛ أسلوب هادئ يبدو عقلانيًا، لكنه عميق الأثر في نتائجه.

وأضاف: تلجأ القوى الساعية للهيمنة على القرار العام إلى استقطاب الإعلاميين وقادة الرأي وأصحاب المواقف المعارضة، ليس للشراكة المتكافئة، بل لإعادة ضبط الخطاب العام، وتحويل النقد من أداة مساءلة إلى لغة تبرير. في ظاهر هذا المسار تُرفع شعارات الحوار وتُسوَّق فكرة “تجاوز الخلافات”، لكن جوهر المسألة سؤال أخلاقي: هل بقيت القضية حاضرة في الخطاب بوصفها حقًا أصيلًا، أم تحوّل الخطاب إلى إدارة للأزمة بدل الدفاع عن جوهرها؟

وأشار: يعمل الاحتواء السياسي الناعم بالتدرّج؛ يلطّف اللغة، يعيد ترتيب الأولويات، ويصمت انتقائيًا، حتى تصبح القضية عبئًا ثقيلًا على من يحملها. هنا لا يخسر المجتمع بوصلته فقط، بل يذوب الفرق بين النقد المسؤول والترويج المقنّع.

وتابع: ومع ذلك، ليست كل مشاركة سياسية خيانة للمبدأ، فالسياسة مجال توازنات، لكن التاريخ لا يحاسب النيات بل يسجل المواقف، والفيصل هو استقلال الرأي أو تحوله إلى غطاء لواقع غير مقبول سابقًا.

وأكد: الأحرار، عمود أي مشروع وطني صادق، مطالبون بوعي مضاعف؛ فالإغراء الناعم المحاط بالمناصب والامتيازات أشد أثرًا من القمع الصريح، والمواقع المؤثرة لا تمنح شرعية تاريخية، بينما الثبات على الموقف يمنح القضايا معناها وخلودها. هذا المقال لا يرفض الحوار أو الواقعية السياسية، لكنه يضع خطًا فاصلًا: لا شراكة وطنية حقيقية دون استقلال الرأي، ولا استقرار مستدام يُبنى على إسكات الضمير، ولا قضية عادلة تُحمى بتفريغها من مضمونها.

واختتم: تاريخ الشعوب يؤكد أن كل قضية فقدت أصواتها الحرة قبل أن تحقق أهدافها، سقطت من داخلها قبل أن يسقطها خصومها. يخلّد التاريخ من ثبت حين كان الثبات مكلفًا، وحافظ على البوصلة حين اختلطت الاتجاهات. ويبقى الموقف الحر الوثيقة الوحيدة التي لا تُزوَّر، ولا تسقط بالتقادم، ولا تحتاج لتبرير بعد أن يقول التاريخ كلمته الأخيرة.