أخبار وتقارير

الشجيفي: السياسة خلف رداء الإرهاب: عندما يستصرخ صاحب السلطة الجماهير


       
قال الكاتب حافظ الشجيفي، أن السياسة حين تجور على العقل تلبسه ثوبا من الخيال، ولا أشد غرابة من أن يتحول الحاكم صاحب القوة والسلطة إلى مستنصر بالجماهير في شأن هو من صميم واجبه وعين اختصاصه.
 
 
وجاء نص المقال علي النحو التالي:
 
ترفض النفس الأبية إلا أن تقف وقفة المتأمل في أحداث الزمان، تفتش في مطاوي الأمور عن سر هذا العبث الذي يغلف واقعنا، فالحق أن السياسة حين تجور على العقل تلبسه ثوبا من الخيال الذي لا يستقيم في موازين المنطق، وليس أشد غرابة في باب السياسة والاجتماع من أن ينقلب ميزان السلطة، فيغدو الحاكم مستصرخا بالمحكوم، ويتحول القائد الذي بيده أزمة القوة وناصية القرار إلى مستنصر بالجماهير في شأن هو من صميم واجبه وعين اختصاصه.
 
فما جرى من محاولة اغتيال آثمة استهدفت حمدي شكري قائد الفرقة الثانية عمالقة، هو جرم لا يختلف فيه اثنان من ذوي المروءة والضمير، وقد سكبنا مداد الإدانة في حينه صونا للدماء التي سفكت من جنده، غير أن الوقوف عند حدود الحادثة شيء، وما تلاها من دعوات غريبة لمظاهرات جماهيرية شيء آخر تماما، إذ كيف يستقيم في العقل أن يخرج الناس في تظاهرة ضد عدو هلامي يسمى الإرهاب، وهو عدو لا وجه له ليرجم، ولا دار له لتقصد، ولا قانون يحكمه ليرتدع بصيحات الحناجر أو تدافع الأكتاف في الميادين، فالإرهاب في حقيقته فكرة شيطانية تتلظى في الخفاء، والمظاهرة ضده لا تعدو أن تكون وقودا يغذي غروره، ويشعره بأن طعنته قد نفذت إلى كبد المجتمع، فأحدثت فيه هذا الاضطراب الذي يبتغيه، بل إن المظاهرات في هذا السياق ليست إلا اعترافا ضمنيا بنجاح المجرم في زعزعة الاستقرار، حيث يرى في حشود الناس مرآة تعكس حجم الرعب الذي غرسه في القلوب، مما يدفعه دفعا إلى استمراء القتل والتمادي في الغي ما دام يرى أثره يتجسد في هياج الشارع وقلق الجماهير.
 
ولو نكصنا بصرنا إلى الوراء قليلا لنرى صورة هذا القائد الذي تدور حوله رحى هذه الدعوات، لوجدنا رجلا قيل فيه ما لم يقل في الأساطير، فهو الذي يقود القوات الضاربة، وهو الذي كسر شوكة الحوثي، وهو الذي طهر الصبيحة من دنس الثارات، وبسط الأمن في ربوع لحج وعدن مؤخرا حتى غدا اسمه مرادفا للاستقرار والسكينة، وصار يشار إليه بالبنان كصياد للخلايا الإرهابية وكاشف للمؤامرات ومقوض لأركان الجريمة، وهنا يطرح السؤال الفلسفي المرير الذي يقرع هامة المنطق.. كيف لعقيد القوم وحامي حماهم، ومن بيده زمام القوة الأمنية والعسكرية، ومن يمتلك أدوات الردع والتحري، أن يقف عاجزا عن كشف اليد التي امتدت إليه، ثم يستنجد بالشعب ليتظاهر ففي هذا التناقض ما يهدم الصورة الذهنية التي رسمت عنه لدى الناس، إذ إن القائد الذي لا يستطيع حماية نفسه من غدر الغادرين، أو يعجز عن فك طلاسم جريمة استهدفت حياته وهو في أوج سلطته، كيف له أن يؤمن حياة الناس أو يذود عن حياض الوطن ..فالحماية تبدأ من الذات لتفيض على الآخرين، وكشف الجريمة هو برهان الاقتدار، أما التواري خلف المظاهرات فهو إقرار بالعجز أو تزييف للواقع.
 
ثم إن المظاهرة في جوهرها فعل احتجاجي يوجه ضد سلطة قائمة قصرت في أداء مهامها، فإذا خرجت الجماهير اليوم، فمن ذا تراه الطرف الذي تحتج ضده هذه الجماهير.. أليس حمدي شكري هو نفسه السلطة العسكرية والأمنية المسؤولة عن أمن المنطقة التي وقعت فيها الحادثة.. فإذا كانت المظاهرة تطالب بالأمن والقبض على الجناة، فهي في الحقيقة مظاهرة ضد تقصير حمدي شكري نفسه بصفته المسؤول الأول عن الامن في هذه المناطق، وهذا لعمري من عجائب الخلط السياسي الذي لا ينقضي منه العجب، اذ يقود القائد تظاهرة ضد نفسه أو يطلب من الرعية أن تقوم مقامه في المطالبة بحقه السيادي، فالإرهاب لا يحاكم في الشوارع، والمجرمون لا يساقون إلى العدالة بهتافات المتظاهرين، بل بيقظة الأجهزة الأمنية وحزم القادة وحنكة الاستخبارات، وكل ما دون ذلك هو هروب إلى الأمام ومحاولة لخلط الأوراق السياسية بدموع العاطفة الجماهيرية.
 
وهذا التحليل السديد يقودنا إلى نتيجة لا مفر منها، وهي أن هذه الدعوات للمظاهرات لا تمت بصلة لمصلحة حمدي شكري ولا لقضية الأمن، بل هي مناورة سياسية بحتة، تستخدم الحادثة الارهابية فيها كقميص عثمان لتحقيق مكاسب أو لإظهار قوة شعبية زائفة في توقيت مريب، فالسلطة التي تحتاج إلى حشود لتثبت وجودها أو لتغطي على إخفاقها في كشف الجناة هي سلطة اهتزت ثقتها بنفسها، والحق الواضح كشمس الضحى أن من يملك القوة يجب أن يمارسها لا أن يشكو منها، ومن تصدى للمهمات العظام لا يليق به أن يقف موقف المستجدي لصيحة من هنا أو لافتة من هناك، فإما أن يكون القائد قدير فيكشف الجاني ويخرسه بقوة القانون والسلاح والحنكة العسكرية، وإما أن يكون كل ما قيل عن بطولاته في بسط الأمن مجرد صدى في وادي، فالأفعال هي التي تصدق الأقوال، والميادين هي محك الرجال، وليس في منطق الدولة مكان لمن يحمل السيف بيد ويطلب من الشعب أن يحمله باليد الأخرى في وقفة احتجاجية لا تسمن ولا تغني من جوع في صراع العقول والدماء.