أخبار وتقارير

صلاح البندق: «نضال الفنادق»… حين تُدار قضايا الوطن بعيدًا عن وجع الناس


       

في مقال لاذع، يسلّط الكاتب صلاح البندق الضوء على مفارقة مؤلمة بين خطابات النضال المرفهة في الخارج، والواقع القاسي الذي يعيشه المواطنون تحت وطأة الفقر والتهميش.

وجاء نص المقال كالتالي:

قال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عبارته الشهيرة التي تصلح لأن تكون مرآة لكل انهيار:
« تصنعون الحمقى، ثم تتساءلون عن الخراب ».
وما نعيشه اليوم ليس إلا تطبيقاً عملياً لهذه القاعدة، دون حاجة إلى شرحٍ أو تبرير.
نحن أمام مشهدٍ عبثيٍّ مكتمل الأركان، عنوانه الأبرز :
( نضال الفنادق ).
نضال لا يعرف الغبار ولا الجوع، ولا يسمع صراخ الشوارع، لأنه يُدار من فوق السجاد الأحمر، وبين الموائد العامرة بالكبسة والمندي، وبرم اللحم الممروق، والتمر الفاخر عالي الجودة.
هناك، تُناقَش قضايا الوطن بعطور باريسية، وتمراخ بالعود السعودي، وملابس من ماركات عالمية، وفي أرقى الشوارع وأفخم القاعات.
وهناك أيضاً، يُناضَل باسم الفقراء.. دون أن يراهم أحد.
في المقابل، على بعد وطن منهك صار حقل تجارب، بعيد من هذه الفنادق، يقف مواطنون في طوابير القمامة، يبحثون عن بقايا طعام المطاعم.
معلمون يشحتون في الأسواق،
وأطباء يعملون في مستشفيات حكومية تتقاسمها الصراصير والفئران والحشرات،
ودكاترة جامعات بلا حقوق، بلا استقرار، بلا كرامة.
أستاذ الجامعة يذهب إلى محاضرته وبطنه تقرقر،
عقله مشغول بلقمة العيش لا بالبحث والتعليم،
كأنه ذاهب إلى مناسبةٍ بلا فرح،
يتبادل حديثاً باهتاً مع طلابه،
ثم يعود إلى بيته مكسوراً،
وحزيناً،
وإن وجد في المنزل اثنين روتي وكوب شاي عصملي أسود،
فذلك يُعد إنجازاً يستحق الحمد .
أي نضال هذا ؟
وأي استقلال يُناقَش فوق الموائد، بينما الشعب يُدفن تحت الفقر؟
الوطن لا يُبنى بخطابات فندقية من خارج الوطن،
ولا يُحرَّر شعبٌ بقيادات تعيش في رفاهٍ معزول،
وتطلب من الجائعين الصبر،
ومن المقهورين التصفيق.
حين تُصنع الرداءة وتُكافأ،
ويُقصى الشرفاء ويُجَوَّع أصحاب العقول،
لا يحق لأحد أن يسأل عن الخراب،
فالخراب هنا نتيجة طبيعية،
لا مؤامرة.
وكما قال تشرشل، مختصراً كل هذا العبث:
تصنعون الحمقى.. ثم تتساءلون عن الخراب.