اليمن في الصحافة

معلمو اليمن يبحثون عن وظائف أخرى لتوفير سبل الحياة


       

كان المعلم يوصف بأنه العمود الفقري للمجتمع في اليمن لكن آلاف المعلمين صاروا مجبرين على ممارسة مهن أخرى لتوفير سبل العيش لأسرهم.

يُدرّس اليمني طلال مهيوب مادة الأحياء منذ أكثر من ثلاثة عقود، بصفته معلماً حكومياً بدأ عمله عام 1995، وطوال تلك الفترة كان يغادر مدرسته ظهراً ليبدأ يوم عمل آخر في ورش الكهرباء والسباكة، وأحياناً في حمل الأحجار إن لم يجد عملاً في تلك الورش.

وبعد ثلاثين عاماً من العمل في التعليم، لا يتجاوز راتبه مائة ألف ريال يمني (الدولار يساوي 1617 ريالاً)، وهذا المبلغ لا يغطي احتياجات المنزل الأساسية التي تصل وحدها إلى نحو 200 ألف ريال شهرياً، فضلاً عن كلفة إيجار المنزل البالغة 80 ألف ريال، وكلفة بقية المستلزمات اليومية لأسرة مكونة من خمسة أفراد.

يقول مهيوب "ما يعيشه المعلمون حالياً هو نتيجة تراكم طويل لسياسات أضعفت المهنة، بداية من توظيف غير المؤهلين تربوياً بدوافع حزبية خلال فترة التسعينيات، مروراً بتهميش المعلم مهنياً ومعيشياً، وصولاً إلى إسناد مهام الإشراف والإدارة إلى غير المختصين. انقطاع الراتب كان القاسم المشترك الذي أطاح بمستقبل كثير من المعلمين، وبعضهم غادر المهنة تماماً، وآخرون انهاروا نفسياً تحت ضغط العجز عن إعالة أسرهم".

وبدافع حماية أسرته من الجوع، وتأمين مصاريف دراسة أولاده، تعلّم مهيوب مهناً متعددة، من بينها الكهرباء والسباكة، التي بدأها بإصلاح الأشياء داخل منزله، ثم طوّر معرفته بها عبر المقاطع التعليمية على شبكة الإنترنت، ويؤكد أن "هذه الأعمال الإضافية تغطي بالكاد نصف المصروف اليومي، بينما تبقى الديون عبئاً دائماً. رغم ذلك، ما زلت أحافظ على حضوري المدرسي اليومي، في حين أن الكثير من المعلمين تركوا التدريس إلى مهن بديلة، أو لجأوا إلى إيجاد بدلاء عنهم، مقابل جزء من الراتب، ما ينعكس مباشرة على مستوى التعليم".

ويحذّر المعلم اليمني من أن "استمرار هذا الواقع ينذر بانهيار قطاع التعليم، ومخرجاته الحالية تكشف عن عجز واسع لدى الطلاب في مهارات القراءة والكتابة. تجاهل أوضاع المعلمين المالية والوظيفية، وعدم الاستثمار في الكليات التربوية، سيقود خلال سنوات قليلة إلى فراغ حقيقي في المدارس، ولن يبقى في الصفوف سوى المعلمين المسنين الذين أنهكهم العمر، أو غير المتخصصين، بينما بقية المعلمين سيبحثون عن مصدر عيش خارج المهنة".

قصة مشابهة يعيشها اليمني عبد الرحمن حسن، الذي يعمل مدرساً لمادة الاجتماعيات منذ 17 عاماً، ويعيل أسرة مكونة من ثمانية أفراد، فقبل أزمة انقطاع الرواتب كان راتبه 90 ألف ريال شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية أبسط متطلبات الحياة اليومية، مع استمرار انقطاع الرواتب الذي تزامن مع ارتفاع الأسعار الفاحش، لجأ إلى ممارسة مهنة بيع القات في السوق المحلي بعد انتهاء الدوام المدرسي.

يقول عبد الرحمن لـ"العربي الجديد": "بيع القات جعلني أكسب خمسة إلى ستة أضعاف ما كنت أحصل عليه من مهنة التدريس، وهذا القرار لم يكن خياراً مهنياً بقدر ما كان خياراً يفرضه الحرص على توفير سبل البقاء. كنت مضطراً إلى توفير احتياجات أسرتي بعدما أصبحت رواتب مهنة التدريس غير كافية، حتى قبل انقطاع الرواتب. إذا لم تعكف الحكومة على إنقاذ قطاع التعليم، فلن تجد بعد عامين معلماً واحداً في المدارس، إما بسبب بلوغ سن التقاعد، أو نتيجة المغادرة القسرية للمهنة، فاستمرارالانهيار القائم يعني أن الطالب قد يصل إلى المرحلة الثانوية ولا يكون قادراً سوى على القراءة والكتابة".