محلل سياسي: أزمة السيولة تخنق الموظفين والرواتب أول ضحايا الانهيار النقدي
قال المحلل السياسي، الدكتور قاسم الهارش: لم تعد أزمة العملة الوطنية في اليمن مجرد تذبذب عابر في سعر الصرف، بل تحولت إلى مؤشر خطير على اختلال عميق في الدورة النقدية، يهدد ما تبقى من الاستقرار الاقتصادي والمعيشي في البلاد.
وأشار إلى أن الأسواق تشهد نقصًا حادًا في السيولة النقدية المحلية، في وقت تتزايد فيه الحاجة للنقد لتغطية المعاملات اليومية والالتزامات الحكومية، وأضاف أن هذا الشح لم يعد مجرد خلل فني في إدارة النقد، بل أصبح أزمة اجتماعية مباشرة بعدما تسبب في تأخر صرف مرتبات موظفي الدولة، ودفع آلاف الأسر إلى دوامة من الديون والالتزامات المؤجلة، مؤكّدًا أن الموظف الذي ينتظر راتبه ليس رقماً في كشف حساب، بل رب أسرة يواجه التزامات يومية من غذاء ودواء وإيجار وتعليم.
وأوضح أن مع كل تأخير، تتسع رقعة القلق الاجتماعي، ويتآكل الإحساس بالأمان الاقتصادي، وتزداد هشاشة الاستقرار المجتمعي.
وأكد أن الأسباب لم تعد خافية، فجزء معتبر من السيولة المحلية محتجز خارج الدورة المصرفية نتيجة المضاربة والاكتناز، وأضاف أن كميات ضخمة من النقد المحلي محفوظة في خزائن خاصة لدى بعض التجار وشركات الصرافة ومؤسسات وأفراد، بدل أن تكون ضمن المنظومة الرسمية وتحت إشراف البنك المركزي اليمني.
وأشار إلى أن هذه الممارسات أضعفت فعالية السياسة النقدية، وخلقت سوقًا موازية تتحكم في سعر الصرف بعيدًا عن أدوات الدولة، وأسهمت في تسارع وتيرة التضخم وتآكل القوة الشرائية للمواطن.
وقال: اليوم، لم يعد أمام الحكومة والبنك المركزي ترف الانتظار أو الاكتفاء بإدارة الأزمة، وأضاف أن المطلوب قرار حاسم يتمثل في منح مهلة زمنية محددة لإلزام جميع الجهات والأفراد الذين يحتفظون بكميات كبيرة من العملة المحلية خارج النظام المصرفي بإيداعها رسميًا لدى البنك المركزي.
وأوضح أن التوازي مع ذلك يتطلب الإعداد لإصدار عملة محلية جديدة وفق معايير فنية وأمنية حديثة تعزز الثقة وتحد من التلاعب، مشيرًا إلى أنه مع انتهاء المهلة، يتم إلغاء التعامل بالعملة القديمة واعتبارها غير قانونية، بما يسمح بإعادة ضبط الدورة النقدية وضبط الكتلة النقدية بصورة فعالة.
وأكد أن هذه الخطوة ليست عقابية، بل إصلاحية، وأضاف أنها ليست مغامرة، بل إجراء تنظيمي لجأت إليه دول عديدة واجهت اختلالات نقدية مماثلة واستطاعت من خلاله استعادة التوازن المالي.
وأشار إلى أن استمرار الوضع الحالي يعني مزيدًا من تدهور سعر الصرف، ومزيدًا من تأخر المرتبات، ومزيدًا من الضغط الاجتماعي والاقتصادي، وأضاف أن اتخاذ قرار جريء اليوم سيعيد للدولة زمام المبادرة، ويعزز ثقة المواطن بالنظام المالي، ويضع حدًا لحالة الاستنزاف المستمرة.
وختم بالقول: استقرار العملة الوطنية ليس شعارًا اقتصاديًا، بل شرط أساسي للاستقرار الاجتماعي والسياسي، وأشار إلى أن التاريخ يؤكد أن الأزمات النقدية إذا تركت دون معالجة حاسمة تتحول إلى أزمات أعمق يصعب احتواؤها.