أنيس صالح جمعان: العدل هو البوصلة الأخلاقية التي توجه التقنية
قال القاضي أنيس صالح جمعان، إنه في رحاب شهر رَمَضَانَ المبارك، حيث تتجلى قدسية العبادة وتسمو الأرواح نحو خالقها، يبرز العدل كقيمة مركزية تربط بين الإنسان وربه وبين الإنسان وأخيه الإنسان. فالعدل ليس مجرد مبدأ قانوني أو اجتماعي، بل هو عبادة قلبية وسلوك عملي، يترجم الإيمان إلى خدمة، والروحانية إلى مسؤولية.
وتابع أنه في هذا التوازن بين قدسية العبادة ورسالة الإنسان، يتجلى المعنى الأعمق لرمضان: أَنْ يكون شهراً يعلّمنا كيف نعبد اللَّه حقاً، وكيف نخدم الناس عدلاً ورحمة. وفيه تتجدد المعاني، وتسمو المقاصد، ويزداد الشعور برقابة اللَّه في السر والعلن. فرمضان ليس مجرد زمنٍ للصيام والامتناع عن الطعام والشراب، بل هو موسمٌ لإعادة ترتيب الداخل الإنساني، ومراجعة المواقف، وتصحيح المسارات. إنه مدرسة إصلاحٍ ذاتي تُهذّب النفس، وتُقوّم السلوك، وتُعيد الاعتبار لقيمٍ قد تضعف تحت ضغط الحياة اليومية؛ فيتقدّم الواجب على الهوى، وتعلو الأمانة على المنفعة، ويصبح العمل اليومي محراباً للعبادة.
وجاء في نص مقاله:
رَمَضَانَ مشروع أخلاقي متكامل؛ يعلّمنا الصبر ونحن نكابد مشقة العمل، ويغرس فينا الإخلاص ونحن نؤدي الأمانة، ويذكّرنا بأن كل جهدٍ نبذله هو موضع نظر اللَّه وقبوله قبل نظر الناس، وأَنَّ معيار القبول ليس في التصفيق الظاهر، بل في صدق النية وإحكام الأداء.
العدل في رَمَضَانَ: عبادة ومسؤولية
العدل في المنظور الإسلامي ليس خياراً أخلاقياً يُمارس عند الرغبة، بل هو تكليفٌ إلهي تقوم به الشرائع، وتُحفظ به المصالح، وتُدرأ به المفاسد، وتُصان به الحقوق. إنه عبادةٌ قلبية قبل أَنْ يكون إجراءً نظامياً، ومسؤوليةٌ شرعية قبل أَنْ يكون التزاماً وظيفياً.
ما أجمل أن نستقبل رَمَضَانَ بآيات العدل التي أنزلها اللَّه في محكم التنزيل، وأحاديث المصطفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي رفعت منار المقسطين. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ).[النحل: 90]. وقال أيضاً: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ).[النساء: 58]، هذه الأحاديث ترسم صورةً ساميةً لمكانة العادلين، ويؤكد أَنَّ العدل ليس محصوراً في ساحات القضاء، بل هو منهج حياة شامل يمتد ليشمل الأسرة، والعمل، وكل ولايةٍ يتولاها الإنسان. قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ المقسطين عند اللَّه على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا).[رواه مسلم]، هذا الحديث يبين لنا أهمية العدل في كل جوانب الحياة.
إنَّ العدل يبدأ من النفس، ينمو في النية، ثم يثمر في السلوك. فمن لم يعدل مع نفسه، كان عن عدل الناس أبعد. وإذا استقامت النفس، استقام القرار؛ وإذا صلحت السريرة، صلح الحكم.
بهذه النصوص يتضح أَنَّ العدل ليس مجرد مبدأ قانوني أو قيمة أخلاقية، بل هو عبادة عظيمة، ومسؤولية شرعية، وركيزة حضارية تقوم عليها الدول وتستقر بها المجتمعات. فالعدل هو الميزان الذي تنتظم به الحياة، وتطمئن به النفوس، وتحفظ به الحقوق. فلنحرص على تطبيق العدل في كل جوانب حياتنا. قَالَ تَعَالَى: (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).[الكهف: 10].
رَمَضَانَ في ميادين القضاء والوظيفة العامة
هنا يكتسب رَمَضَانَ معنى أعمق وأشد تأثيراً. فالقاضي حين يفصل في خصومة أو يصدر حكماً، لا يمارس وظيفةً إدارية فحسب، بل يؤدي رسالةً تتعلق بحقوق الناس وحرياتهم وأمنهم الاجتماعي. والموظف العام الذي يحمل بين يديه معاملات الناس وملفاتهم، يدرك أَنَّ العدالة في هذا الشهر ليست مجرد واجب مهني، بل هي عبادةٌ وقربة. فالعدل أمانة، والإنصاف عبادة، وتحقيق الحق مسؤولية تُرفع بها الدرجات وتُكفّر بها الزلات.
إنَّ رَمَضَانَ يذكّر أهل المسؤولية بأن الوظيفة العامة ليست امتيازاً، بل تكليف، وأَنَّ تطبيق القانون بحياد وتجرد هو من صميم التقوى. فالتقوى ليست شعوراً وجدانياً فحسب، بل سلوك عملي يظهر في الحكم بين الناس، وفي مقاومة الميل، وفي ترجيح الحق ولو خالف الهوى.
وقد جسّد التاريخ الإسلامي نماذج مشرقة للعدل، ومنهم الخليفة العادل عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الذي كان يراقب الأسواق بنفسه ليضمن الإنصاف، ويتفقد أحوال الرعية، حرصاً على أَنْ لا يظلم أحد في ظل دولته. فاجتمع في سيرته شرف المسؤولية مع خضوعٍ كامل لميزان العدل. أو القضاة الذين كانوا يحرصون على أَنْ تكون أحكامهم خالية من الميل والهوى، فيجتمع شرف الزمان بشرف الرسالة.
وكم من قرارٍ عادلٍ، يُتخذ في هدوء مكتب، فيُحدث في حياة الناس أثراً يفوق ضجيج الخطابات: يعيد حقاً، أو يرفع ظلما، أو يحمي أسرة من التفكك، أو يرسخ ثقة المجتمع في مؤسساته. وهنا يتعاظم الأجر ويتضاعف الأثر، ويجتمع شرف الزمان بشرف الرسالة.
العدل في زمن التحول الرقمي
في عصر تتسارع فيه التقنيات، ويصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في صناعة القرار، يبقى العدل هو البوصلة الأخلاقية التي توجه هذه الأدوات الحديثة. فالتقنية دون روح عدل، قد تزيد الظلم إحكاماً. وأي نظام، مهما تطور، يظل بحاجة إلى ضمير إنسان ينفخ فيه روح الإنصاف والرحمة. فالتقنية مهما بلغت دقتها، تظل أداةً في يد الإنسان. والتطبيقات الذكية لا تعرف الإنصاف ما لم يبرمجها مبرمج على قيم العدل خادمة للحق، لا أداةً للظلم. توازن بين النص والمصلحة، وبين التطبيق والعدالة.
العدل في رَمَضَانَ.. رسالة للأمة
إنَّ العدل في هذا الشهر المبارك ليس مسؤولية فردية فحسب، بل هو رسالة جماعية للأمة، تُعيد الثقة بين مؤسساتها وأفرادها، وتؤكد أَنَّ القيم الإسلامية قادرة على أَنْ تكون أساساً لبناء دولة حديثة عادلة، تجمع بين روح العبادة وروح القانون.
إذا كان الصيام يُهذّب النفس، فإن العدل يُهذّب المجتمع، وإذا كان رَمَضَانَ يُصلح القلب، فإن العدالة تُصلح الدولة. وإنَّ الجمع بين قدسية الزمان (رَمَضَانَ) وقدسية الرسالة (العدل) يضفي على العمل بُعداً روحياً يسمو به عن مجرد الأداء المهني، فيتحول إلى رسالة أخلاقية تُصلح القلوب قبل أَنْ تُصلح الواقع. وهكذا يصبح العدل في رَمَضَانَ منهجاً، والإخلاص سبيلاً، ونور البصيرة زاداً، فتسمو الوظيفة العامة من إطارها الإداري إلى مقامها الرسالي.
تهنئة جامعة
في هذه المناسبة المباركة، نتوجه بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى زملائنا في السلك القضائي والمحامين، وإلى جميع العاملين في ميادين العدالة والوظيفة العامة، وإلى عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. نسأل اللَّه أَنْ يجعل رمضان موسماً لتجديد العهد مع العدل، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، وأَنْ يعيده علينا أعواماً عديدة ونحن أوفى للرسالة، وأصدق في الأداء، وأقرب إلى اللَّه تعالى.