أخبار المحافظات

استنزاف حوثي.. المليشيات تحول ساء اليمن إلى طوابير انتظار


       

شهدت العاصمة اليمنية صنعاء، منذ سيطرة مليشيا الحوثي عليها، تدهوراً بنيوياً شاملاً طال كافة مناحي الحياة، حيث أصبحت النساء الحلقة الأضعف التي تتحمل العبء الأكبر من هذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وتتجسد هذه المأساة في انتشار مشاهد التشرد النسائي في الشوارع الرئيسية للمدينة بحثاً عن سد رمق الأطفال.

إن انتشار النساء المشردات وأطفالهن على الأرصفة في مناطق صنعاء المختلفة ليس مجرد انعكاس لأزمة عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات ممنهجة اتبعها الانقلابيين، والتي شملت تجفيف الموارد، وفرض الجبايات العشوائية، وقطع رواتب الموظفين، مما أدى إلى تدمير مصادر دخل ملايين الأسر.

وتؤكد التقارير الدولية أن النساء يشكلن النسبة الأكبر من النازحين داخلياً، إذ تجد آلاف الأسر نفسها تحت إعالة نسائية بعد فقدان المعيلين، إلا أن القيود الأمنية والاجتماعية التي تفرضها المليشيا تحد بشكل كبير من قدرة المرأة على الحركة والعمل، مما يضعها أمام فقر خانق يرافقه نظام رقابة صارم.

تُضاف إلى المعاناة الاقتصادية قيود صارمة على فرص عمل المرأة، والتدخل في طبيعة المهن المسموح بممارستها، بالإضافة إلى فرض اشتراطات غير قانونية على السفر والتنقل، مما يحصر المرأة بين مطرقة الحاجة الماسة وسندان المنظومة القمعية الأمنية والأخلاقية.

وتُظهر القصص الواقعية، كحالة الأسر النازحة التي تفقد المعيل وتُطرد من منازلها بسبب ارتفاع الإيجارات وتوقف شبكات الأمان الاجتماعي، أن أولويات سلطة الأمر الواقع تتركز في تمويل المجهود الحربي والدعاية الأيديولوجية، مقابل إهمال متعمد لبناء أي نظام دعم للفئات الأكثر ضعفاً.

وفي محافظات أخرى مثل إب، يتكرر المشهد المأساوي حيث تضطر مئات النساء للاصطفاف أمام المبادرات الخيرية الأهلية للحصول على وجبة، في تناقض صارخ مع استمرار تحصيل الأموال تحت مسميات الزكاة والأوقاف، مما يكشف عن فشل سلطة الأمر الواقع في إدارة موارده لصالح المواطنين، وتحويل العمل الخيري إلى بديل قسري عن دور الدولة.

في المقابل، تحاول الآلة الإعلامية الحوثية تجميل الواقع عبر شيطنة "العدوان الخارجي" وتصوير الجوع كـ"صمود"، وتختزل الأزمة في صراع خارجي، متجاهلة الإدارة الداخلية الفاشلة والفساد المستشري، وتطالب المرأة التي تعاني من الفقر بأن تتقبل معاناتها كتضحية وطنية دون حق في المساءلة.

إن تجويع النساء واستغلال معاناتهن ليس نتيجة عرضية للصراع، بل هو أداة فعالة في منظومة حكم تعتمد على التحكم بالموارد وتحويل المساعدات الإنسانية إلى وسيلة ضغط، مما يرسخ هشاشة المرأة ويدفعها نحو الاعتماد الكلي على الإعانات، في غياب تام للشفافية والمساءلة الرقابية.

إن نقد هذه السياسات يمثل ضرورة أخلاقية وإنسانية؛ فالسلطة التي تحتكر السلاح والمال وتعجز عن توفير الحد الأدنى من الحماية للمواطنين، خاصة النساء، تتحمل المسؤولية المباشرة عن هذا الانحدار المجتمعي الذي يهدد مستقبل جيل كامل ينشأ في بيئة تُطبع فيها المعاناة ويُصادر فيها الحق في حياة كريمة وحرة.

إلى جانب الصورة القاتمة في صنعاء وإب، يبرز وضع النساء في منطقة الحوبان شرق تعز بوصفه مثالاً إضافياً على كيف عمّقت سياسات مليشيا الحوثي هشاشة المرأة وحوّلتها إلى ضحية مباشرة لاقتصاد الجباية والحصار الداخلي والقيود الاجتماعية المفروضة بقوة الأمر الواقع. فالحوبان، التي كانت قبل الحرب امتداداً عمرانياً واقتصادياً نشطاً لتعز، تحولت خلال سنوات السيطرة الحوثية إلى منطقة معزولة نسبياً، ترتفع فيها الأسعار بشكل حاد نتيجة تعقيدات النقل والانقسام الإداري، بينما تتآكل دخول الأسر وتتوقف الرواتب، وتستمر في المقابل موجة الرسوم والإتاوات المفروضة على التجار وأصحاب المحال، ما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية.