القاضي أنيس صالح جمعان يحكي مأساة أنور إسماعيل بين النضال والخذلان
قال القاضي أنيس صالح جمعان: "حين يموت المناضل بحثاً عن حقنة أنسولين، تظل أرواح الرجال الأحرار هي العملة التي تُشترى بها الحريات، لكن المأساة الحقيقية ليست في الموت في ساحة الشرف، بل في أن يموت المناضل على قارعة النسيان بينما ينشغل من حملوا الراية من بعده بغنائم اللحظة ومقاعد الوهم".
وأضاف القاضي جمعان: "المناضل أنور إسماعيل لم يكن مجرد اسم عابر في سجلات الحراك الجنوبي، بل كان واحداً من أولئك الذين نزلوا إلى الميدان حين كانت الكلمة تعني السجن، وكان الوجه المكشوف يعني الرصاص. عاش حياته متنقلاً بين ساحات الاعتصام وزوايا الزنازين، وكان جسده القوي الذي صمد في وجه الدبابات والمدرعات، هو نفسه الذي انهار أمام مرض السكر، نتيجة عقود من الإرهاق والضغط النفسي والجوع أحياناً".
وأشار القاضي إلى أن "المفارقة القاسية أن من ناضل بالأمس من أجل 'كرامة الإنسان' مات اليوم وهو يبحث عن أبسط مقومات الكرامة: حقنة أنسولين. فقد تحول أولئك الذين شاركوه الدرب، أو جلسوا على مقاعد 'الثورة' فيما بعد، إلى مشاهدين صامتين، يروون بطولات الماضي بينما يموت بطل حقيقي في الحاضر".
وأكد القاضي جمعان: "وصمة العار في جبين الناعين والمفارقة الأكثر إيلاماً، هي أن 'ثوار اليوم' الذين تجاهلوا أنور على فراش المرض يتوسد الألم، وتركوه يبحث عن حقنة أننسولين، نراهم اليوم يتسابقون لكتابة عبارات الرثاء، ويعددون مآثره وكأنهم حفظوا تاريخه. نفس الأيدي التي امتنعت عن مد يد العون، هي ذاتها التي تمد أصابعها على لوحات المفاتيح لتنعيه. نفس الأفواه التي صمتت حين كان أنور يئن من الألم، هي ذاتها التي تملأ الدنيا خطباً تأبينية".
وأضاف: "المناضل الحقيقي لا يُكرّم بعد موته، بل يُؤازر في حياته، ورثاء اليوم لا يمحو صرخات الألم التي خفت صوتها بالأمس. أنور لم يمت بمرض السكر وحده، بل مات بمرض الضمير الذي استشرى في قلوب من كانوا بالأمس رفاقاً، واليوم أصبحوا مجرد ناعين يتسابقون على منشورات العزاء بعد أن تقاعسوا عن حقنة كانت كفيلة بإبقائه على قيد الحياة".
وقال القاضي جمعان: "حسرة الرجل الحر ليست على الموت قبل أن يرحل، بل كانت حسرة واحدة في قلب أنور، على رفاق الأمس الذين تنكروا له، على أولئك الذين صافحوه بالأمس وأداروا له الظهر اليوم على سرير المرض. الموت كان راحة، لكن الخذلان كان قاتلاً. ومع ذلك، وحتى في لحظاته الأخيرة، كان أنور يسامح بصمت، مؤمناً أن الوفاء لا يحتاج جمهوراً ليصفق له، وأن من يعمل لله لا ينتظر جزاءً من الناس".
وأشار القاضي إلى أن "رحيل أنور إسماعيل ليس مجرد نعي عابر، بل إعلان حالة طوارئ أخلاقية في وجداننا. إذا كنا حقاً نبني وطناً يليق بتضحيات شهدائنا وأحيائنا، فعلينا أن نتعلم أن الوفاء ليس كلمة تقال في المناسبات، بل هو حقنة أنسولين تقدم في الوقت المناسب. الوفاء هو أن تعرف أن هؤلاء الشيوخ المتعبين الذين قادوا المسيرات بالأمس، هم اليوم بحاجة لمن يقودهم إلى المستشفى".
واختتم القاضي جمعان قائلاً: "وداعاً أيها الإنسان الصادق، نم قرير العين، فقد أديت ما عليك وزدت. غادرت هذه الدنيا كما عشت: حراً أبيض نقيّاً، لم تبع قضيتك، ولم ترضَ ببدائل. تركتنا نعاني من وجع الضمير، ونتساءل: لو عاد بك الزمن، هل كنت ستفعلها مجدداً؟ ونحن نعرف الإجابة، كنت ستفعلها مجدداً، لأن المناضل الحقيقي لا يناضل ليأخذ، بل ليعطي. رحمك اللَّه يا أنور، فأنت شهيد الخذلان قبل أن تكون شهيد المرض".