أدب وثقافة

في اليوم العالمي للشعر: سيميولوجيا حياة تنهض بالكلمات!


       

 

لنقُلْ إن الحديث عن الشعر أصبح اليوم أكثر من الشعر نفسه، وهو حديث أكثره غير ذي شأن؛ لأنه أخذ يبتعد عن الجوهري والإشكالي، بقدر ما يلتذ باستغراقه الطويل في الشكْليات والتجميلات والمزايدات، مع ذلك، ثمة سياسة لا تخطئ موعدها الشاق والدائم مع الشعر، وهي بمثابة الحركة التي تهجع في رحم الكتابة، التي نهتدي بنا إلى تلك اليوتوبيا في ليل الذات؛ المحبرة الأكثر تقشفا وسخاء، وعرامة في صمتها كذلك.

 وإذا كان زمننا منذورا للتباريح والعذابات، فإن الأزمة هي الشرط نفسه للمعنى وهو يتخلق باستمرار- إنْ ذاتيا أو جمعيا؛ لأنه عندما يتوقف المعنى يصير الشعر ملفوظا مُنْتهيا، ولا حاجة للشعر إلى الشعر.


ما يزال الشعر على مضمار الإنسانية، وهو يعرض بطريقتها المُميزة علاقته الخاصة مع شركاء الإنقاذ، ويتقوى هذا الرهان عندما يُنظر إلى الشعر بوصفه عملا فنيا مفتوحا على كل الاحتمالات، على المجهول.

وعليه، فليس الرهانُ شعريا فحسب، بل هو سياسي. وإذا، ثمة جدوى تتقد في كُل كتابة تنزع إلى مثل هذا الرهان، حتى وهي تتحرك بلا معنى أَصْلا، ولا كذلك. فالكتابة الشعرية بوصفها خطابا هي، في نهاية التحليل، تاريخية ليس لأنها تحمل تاريخها وحسب، بل ومكانها وعبورها للأزمنة والثقافات والهويات على غير رسو.

 فقط الشعر دائم الإصغاء إلى زمنه وشرطه الإنساني، وكان للشعراء في قصائدهم نبل المهام الملقاة على عاتقهم حتى فــــي الأوقات العصيبة من نبذهم وتهميشهم، ومن تلف المشترك الإنساني كذلك، داخل عولمة العماء المذعور.


إن الذين يربطون الشعر بحالة الطمأنينة، وببلوغ الخلاص إنما يتحاملون على الشعر، ويُكرسون فَهْم العامة له كشيْء ساذج وعديم الجدوى. قُـوة الشعر في هشاشته التي لا تُزهر إلا في العتمة، وترقص على حواف الكارثة وتنبت في الشقوق، وتدب بين تصدعات الروح.

 إنه لا أقل من هذا السفر العابر في الجوهري، وفي الشعائر الهامسة، وفي طقوس الحب والجمال والغناء ولحظات التأمل والإصغاء وسخاء الطبيعة، وفي تنْبيه الناس إلى عدم الانتقاص من الشعرية المتناثرة في الحياة أنى كانت، وفي حفظه لغة الحلم والمجاز والعمق التي تنعش في الإنسان قوة الذاكرة ورهافة الإصغاء وسماحة التأويل، وفي بثه المعاني الأساسية للوجود.


هو ذا مستقبل الشعر الذي تُراقبه سياسات القصيدة. نقصد بسياسات القصيدة معنى الاستراتيجية، التي تترك القيمة والأثر في حالة اشتغالٍ وانْدفاعٍ وتيقظ، وهي قوية الإصغاء لما حولها، ومتحولة في داخلها. يأخذ الشعري في سياسات القصيدة صفة غير المكتمل نظريا، لأن الأخيرة تتضامن والخطاب في أن تظل القصيدة تطفح بالأدلة دائما.

 بهذا المعنى، تعرض علاقات القصيدة، بطريقتها المميزة، الرهان الإبستيمولوجي للشعر، كعمل فني مفتوح على المجهول.

 وعليه، فليس الرهان شعريا فحسب، بل أيضا سياسي، من ذات إلى ذات؛ من برعم إلى شجرة، نُصْغي إلى حياتنا المغدورة في الشعر، إلى هؤلاء المُحبين الصاعدين في معارج الحلم والخيال، والمتنزهين في غابة اللغة متنزهين عن سفاسف الكلام، ومؤمنين بجدوى الشعر وضرورته. دائما ما نُواجَه، بحسن نية أو سوئها، بهذا السؤال: ماذا بِوُسْع الشعراء أن يُغيروا؟


في اعتقادي أنه لَما نحن نطالب بالتغيير، فإننا لا نقصد به التغيير المادي سياسيا واجتماعيا بالضرورة، لأن قدراتنا محدودة ومدى كلماتنا ممتد في الزمن، بل نقصد التغيير الذي يمس إحساسنا وتفكيرنا ورؤيتنا إلى الأشياء.

 ومثل هذا التغيير ملحٌ ومتنوع في آن. وإذن، ينبغي أن لا نقصر وظيفة الشعر في ما هو فني وجمالي صرف فحسب، وإنما علينا أيضا أن نجدد في بعدها السياسي بمعناه الواسع الذي لا يبتذله ما هو أيديولوجي وواقعي وتعبوي مباشر وضيق. بهذا المعنى، يصير للشعر معنى في حياتنا، وضرورة لإنسانيتنا المعذبة اليوم.


ليس ثمة سوى أصل الشهوة العارفة التي على الشاعر المعاصر أن يرتقها بأثر الموهبة المثقفة، وصنيع الجهد المُجرب في آن، ولا عزاء لمن لا أثر له في صحراء المعنى، حيث رؤياه ما زالت تفترس عينيه من المسافات المترنحة إلى ذهول في أثر طائر ضائع.

صلاح بوسريف: حياة الصيرورة


لا أخاف على الشـعر من شيء، بقدر ما أخاف عليه من المال الذي يسعى اليوم أن يعود به إلى أشكاله المَيتَة. فحين تصبح الكتابة طلَـبا، أو وفق طلب وتوجيه معينين، فهذا معناه استهجان الشـعر وتبخيسه في جوهره وعمقه، لكن مهما تكن محاولات تبخيس الشـعر بهذا المعنى، فالشـعر لن يحيا بغير الصيرورة والتجدد. وكما قلتُ سابقا، فالنهر لا يعود إلى الوراء. أن أقرأ أبا تمام، أو شوقي، أو الجواهري، أو البردوني، فهذا أهم بكثير من أستمع إلى طَـحْـن القُرون الذي يجري في مثل هذه المُسابقات، التي هي مجرد رحى، لا غير. الشعر حَي لن يموت، لأن به بدأ وجود الإنسان، وهو أبَدٌ.

محمد الصابر: فن الخداع


الشاعر هو الكائن الوحيد الذي عندما يكتب عن الطيور، فإنما ليخبئها في كلماته، ليحميها من القناصين، هو الوحيد الذي باستطاعته أن يشفق على الطغاة لأنهم في الواقع نزلاء مشافٍ هربوا منها للتو، وباختصار إنه كائن مريض بالكلمة ولا يتداوى إلا بالكلمة.


دعني أقول لك إن في ملحمة «المهاباهارتا» ما يشبه هذا الكلام، فاستخدام فنون الخداع هو من الامتيازات التي تختص بها الآلهة.. وأوديسوس إنما حُكم عليه لأنه شارك الآلهة في الخداع. ولعل من أشكال الخداع التحقق الفلسفي في الشعر، أو ما يسمى « بالميتاشعري»، التحقق الفلسفي في الشعر من حيث هو التوضيح المنطقي لحرفة الشعر عدة ومتاعا.

 إنها رسالة الشاعر التي حملها على عاتقه منذ الرهبة الأولى التي انتابت الإنسان الأول، حتى قبل أن يسكن المغارات ويرتدي الجلود.

محمد عزيز الحصيني: كيمياء المادة


لعله السحر! كيمياء المادة وكل ما يخفى سببه. خيمياء الإيهام. منذ طفولتي وأنا أحلم بأن أصير ساحرا. لطالما استهوتني مغامرات وأسرار السحر، خفايا المادة وتجلياتها المدهشة.

رغبة مكبوتة استعادها الشعر أخيرا. أكتب لأرى العالم بالمقلوب. أكتب لأصحو من كابوس جاثم. الكتابة، عندي، إبحار في «ليل المعنى»، بحث عن رسو على نقطة اللاثبات. ومثل عدسة التصوير الأوتوماتيكية، أنقل العالم بالمقلوب إلى الغرفة المظلمة.

ثم يتسرب الضوء، وتنزاح كثافة اللامرئي، ليتقدم العالم عاريا من أجل «عري كل شيء».

إيمان الخطابي: عزاء


لم يكن الشعر بعيدا عني في أية لحظة من لحظات إدراكي لوجودي في هذا العالم. لم تكن هناك مسافة بيني وبين الشعر حتى أذهب إليه؛ كان في روحي وبين جوانحي وحولي، وفي كل حركة وسكون محيط.

احتجتُ بعض الوقت فقط كي أعين له اسما أو اصطلاحا يُسمى به. تفاعلتُ دائما مع لغة الشعر، وألفيتها اللغة الأكثر دقة ونفاذا وعمقا؛ إنها اللغة التي تُحدث في داخلي تأثيرا وتغييرا، وتعبر عن أحوال نفسي، وعن وجودي باقتدار تام. كنت دائما طفلة حالمة، لكني كنت حزينة أيضا، وبحاجة لعزاء ما. وقد وجدت هذا العزاء في الشعر والكتب.

سامح درويش: ومض بعيد


شيئا فشيئا كنت أحفر مجراي في تضاريس الكتابة بدفق داخلي متجدد، إلى حين وصولي إلى مفازة الهايكو التي جعلتني أكتشف المدى الشاسع للشعر، وأكتشف أنني مجرد حبة رمل في صحراء، وأكتشف معنى وجوهر اللحظة في ممارسة الكتابة، وأكتشف أناشيد الصمت وأحجام الفراغ، وأكتشف أن الشعر يمكن أن يُعاش، ويمكن أن يُلمس حتى من دون لغة، وأكتشف أن الحواس يمكن تربيتها من جديد لمقاومة شيخوخة العادة وإعادة اكتشاف ما سبق أن عرفناه، وأكتشف أن وميض الشعر المطلق يومض بعيدا في تلك المفازة.

صباح الدبي: وجودنا الآخر


هو هذا السحر الذي يسوقُك إلى فردوس القول وإلى اللغة الفاتنة التي تنساب بين يديك وأنت تُصيخ السمع إلى صوت الذات وحكاياتها المُلونة بالغموض الجميل، والحَراك الخفي الذي ينتظر لحظة خروجه إلى عالم الصوت الذي تخلقه اللغة.

قادني إلى سحر الشعر إحساسي برغبة حثيثة في الكشف عما يجري في عوالم الداخل، وفي رسم صورة مأمولة لعالم الحلم الذي نتجاوز من خلاله انكساراتنا وأحزاننا، إنه العالم الملاذ الذي نشعر فيه بوجودنا الآخر عبر اللغة وما تمنحه من طاقة للكشف والخلق.

نمر سعدي: أداة للأمل


لا تأثير للشعر أو للفن إلا كأثر الفراشة. وهذا التعبير أعجبني كثيرا، ولكن لن يكون سببا ضروريا في حدوث إعصار أو عاصفة ما في منطقة نائية. نعم بوسع الشعر أن يقول شيئا وحتى أشياء، ولكن لن نجد من يسمعه في هدير المدافع والطائرات وصخب البشرية في عالم المادة.

 الشعر طائر وحيد في مواجهة العاصفة. ربما نستطيع أن نصف الفنون بأنها أداة أو أسلوب لتجميل قبح الواقع بواسطة الرتوش الجمالية والغيوم الخفيفة.

 تبقى الفنون ويبقى الشعر طريق نجاة للروح البشرية الصافية.. فسحة للتأمل، أو أداة للأمل. الناس يتذكرون لوركا وينسون فرانكو جنرال إسبانيا. تفنى الحروب في الأرض وتبقى الأغاني تضيء ليل الغريب، وتبقى شجرة الزيتون متألقة في وجه الشمس.

كاتب مغربي

عبداللطيف الوراري