مطهر الريده: البرع اليمني إرث حيّ يعكس الهوية والانتماء
قال الدكتور مطهر الريده، البرع اليمني ليس مجرد رقصة، بل ذاكرة حية توارثتها الأجيال. في الأعياد، يجسّد هذا التراث القوة والانسجام والوحدة، ويحتفل اليمنيون به كرمز للهوية والثقافة العريقة المتجذّرة في كل محافظة.
وجاء المقال علي النحو التالي:
في اليمن، لا يُختصر التراث في الحكايات، بل يُرى… ويُسمع… ويُعاش.
وفي الأعياد، من صنعاء القديمة إلى الطويلة، إلى كلّ اليمن، يمتد خيطٌ واحد يربط الماضي بالحاضر، خيطٌ اسمه… البرع.
البرع ليس مجرد رقصة، بل ذاكرةٌ متحركة، وإرثٌ وُلد من ساحات القتال، حين كان المقاتل اليمني يتدرّب في زمن السلم على خطواتٍ تحاكي المبارزة، وتُتقن التوازن، وتصنع من الجسد أداةً للانسجام والقوة.
كما ترونه في هذه البرعة (الخياطية) التي يؤديها المبارزون بالسيوف في مدينة الطويلة.
ومع مرور الزمن، تحوّل السيف إلى مجرد رمز، وحلّت الجنبية اليمنية في الأيدي، تحمل معنى الهوية، وتحكي قصة شعبٍ لم يتخلَّ عن جذوره.
لكن أبناء مدينة الطويلة ما زالوا محتفظين بهذا الرمز، ويورثونه جيلاً بعد جيل.
يتجلّى البرع في تنوّعٍ ثري، تحمله أسماء القبائل والمناطق، كالحاشدية، والسنحانية، والخياطية، والطويلية، والماربية، والحرازية، والحيمية، والجبلية… إلخ.
حيث تتناغم الحركات في دوائر متقنة، وتتصاعد الإيقاعات عبر مراحلها الأربع:
الدسعة…
ثم السارع…
فالوسطي…
حتى تبلغ الذروة في الهوشلية…
حيث تتسارع الأنفاس، وتشتعل الحماسة في مشهدٍ جماعي مهيب.
ولم يكن هذا الفن يومًا للزينة فقط، بل كان وسيلة تواصل، حين يُقرع صوت الطاسة ليجتمع الناس وينصتوا لخبرٍ مهم، في زمنٍ كانت فيه الإيقاعات لغةً إعلامية، وما تزال حتى اليوم.
في مشهدٍ يجسّد الفرح، ووحدة الصف، وعمق الانتماء.
وهكذا… لا يكون العيد في اليمن مجرد مناسبة، بل عودةٌ واعية إلى الجذور، واحتفاءٌ حيّ بذاكرةٍ لا تموت.
البرع… في صنعاء، وفي الطويلة، وفي كل اليمن، ليس رقصة تُؤدّى، بل هوية تُحفظ، وروحٌ تتجدّد، وإرثٌ ينتقل من جيلٍ إلى جيل…
ليظلّ التاريخ حاضرًا، يرقص… مع كل نبضة إيقاع.