الجبواني يحذر من العصبية المناطقية ويؤكد خطرها على بناء الدولة في الجنوب
أكد صالح الجبواني، وزير النقل السابق، في مقال تحليلي له، أن العصبية المناطقية في الجنوب ليست مجرد رد فعل على غياب الدولة أو ضعفها، بل هي ظاهرة أعمق وأكثر صلابة. وأضاف أن العصبية ليست مجرد انتماء جغرافي، بل رابطة كثيفة من الثقة المغلقة، تقوم على شعور جمعي بالتمايز والأحقية، مما يمنح أبناء هذه العصبية أفضلية ضمنية في التمكين والاقتراب من مراكز القرار.
وأوضح الجبواني أن العصبية، على عكس المناطقية "الوظيفية" التي تنحسر مع تعافي الدولة، تميل إلى التمدد والإمساك بالقرار على مختلف المستويات السياسية والعسكرية، لأنها تستمد مشروعيتها من ذاتها وليس من الحاجة الطارئة. وقال: "هذه العصبية لا تقتصر على تشكيلاتها السياسية والعسكرية، بل تمتد إلى الفعل السياسي والعسكري، إذ يصبح استخدام القوة محكومًا بمنطق حماية الجماعة وتوسيع نفوذها".
وفي تحليله للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، اعتبر الجبواني أن التمركز السياسي والعسكري في نطاق جغرافي محدد وتشكيل قيادة عسكرية قوية تحت نفس العصبية لا يعكس فراغًا مؤسسيًا، بل تجليًا لعصبية متماسكة ومقصودة لضمان احتكار القوة داخل دائرة يمكن الوثوق بها. وأضاف أن هذا النموذج يمكن أن يكون سببًا رئيسيًا للعديد من الأنماط السلبية مثل النهب والتعدي على الممتلكات والمصالح العامة والخاصة في مناطق السيطرة.
كما أكد الجبواني أن هذه العصبية تؤدي إلى "تدوير العصبية داخل الدولة"، حيث تُعاد صياغة المؤسسات وفقًا لمعيار الانتماء، لا الكفاءة. وتحول الدولة إلى غلاف شكلي، بينما تدار فعليًا من خلال منطق الجماعة وولاءاتها. وبيّن أن القادمون من خارج هذه العصبية ينخرطون في مسارين، الأول مدفوع بعاطفة صادقة تجاه فكرة الجنوب، والآخر يتحرك ضمن "سوق الولاءات"، حيث يُعاد توزيع الموارد المدعومة خارجيًا والمحلية المأخوذة أو المدارة بلا رقابة.
وفي سياق هذا التحليل، أشار الجبواني إلى أن العصبية تمنح الكيان قوة تماسك عالية، لكنها في ذات الوقت تضع له سقفًا لا يمكن تجاوزه. وقال: "هي تُنتج ولاءً صلبًا لكنه محدود الامتداد، وتبني نفوذًا مركّزًا، لكنه غير قابل للتحول إلى مشروع جامع".
وأضاف الوزير السابق أن التحدي الأكبر يكمن في تحوّل هذه العصبية إلى معيار حاكم للسياسة، ما يجعلها مصدرًا وحيدًا للشرعية، وتحول الدولة إلى أداة ملحقة بها تُستخدم وتُعاد صياغتها لخدمتها. وخلص إلى أن الحل لا يكمن في الصدام مع العصبية مباشرة، بل في بناء مؤسسات وطنية تنتج ثقة أوسع، وتنظم مسارات الصعود على أساس الكفاءة، مما يحرر الأفراد من شبكات الولاء الضيقة.
وأخيرًا، اختتم الجبواني بالقول إن "العصبية، مهما بدت قوية، تفقد مبررها عندما تجد الدولة طريقها إلى الناس، لا بوصفها شعارًا، بل كواقع ملموس في العدل والفرص".