أخبار وتقارير

سامي الكاف: القضية الجنوبية اختبار لإعادة تشكيل الماضي وبناء مشروع سياسي جامع


       

في تحليل جديد للقضية الجنوبية في اليمن، يوضح الصحفي والباحث السياسي سامي الكاف أن القضية الجنوبية ليست مجرد امتداد سردي لما جرى في الماضي، بل هي اختبار مستمر لكيفية استحضار هذا الماضي داخل الحاضر، وإعادة تشكيله ليصبح ذا معنى سياسي قابل للحياة.

ويرى الكاف أن الماضي، عندما يُستدعى بلا نقد، يتحول إلى عبء يُعيد إنتاج ذاته تحت مسميات جديدة، حتى وإن بدت هذه المسميات لامعة في ظاهرها. وأضاف الكاف أنه "جوهر الإشكال لا يكمن في الذاكرة بحد ذاتها، بل في طريقة توظيفها: هل تُستدعى بوصفها خبرة تُعين على الفهم والتجاوز، أم تُستخدم كأداة لإعادة تدوير الأزمات؟" مشيرًا إلى أن أي مشروع سياسي لا ينجح في تفكيك ماضيه نقديًا، فإنه محكوم عليه بأن يظل أسيرًا لتكرار نفس الأزمات، مهما تغيّرت لغته أو شعاراته.

التمثيل والمشروعية

يتطرق الكاف إلى إشكالية التمثيل والمشروعية في القضية الجنوبية، مؤكدًا أنها ليست مجرد مطلب سياسي يمكن إدراجه ضمن عملية تفاوضية شاملة. بل هي سؤال مفتوح حول طبيعة التمثيل وحدود مشروعيته. وقال الكاف: "من يملك حق الحديث باسم الجنوب؟ وعلى أي أساس تُبنى هذه المشروعية؟ هل هي مستمدة من التاريخ، أم من الواقع، أم من القدرة على إنتاج أفق سياسي جامع؟"

ووفقًا للكاف، فإن هذه الأسئلة الجوهرية تكشف عن مأزق أعمق يتعلق بإعادة تعريف الذات السياسية للجنوب في ظل التغيرات الحالية، حيث تتداخل الهويات وتتصادم سرديات "الجنوب اليمني" و"الجنوب العربي". وقال: "تصبح الإجابة نفسها محل نزاع لا يقل حدة عن القضية موضوع النقاش."

الاختلاف داخل الأسرة

أما بالنسبة لتفاصيل إضافية تعقد القضية، يوضح الكاف أن غياب نقطة ارتكاز مشتركة بين الأطراف المختلفة يزيد من تعقيد المسألة. وأشار إلى حالة التباين داخل أسرة الراحل علي سالم البيض، الذي كان أحد الشخصيات البارزة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وأمينًا عامًا للحزب الاشتراكي اليمني، حيث يتضح التباين بين أبنائه: عدنان البيض وعمرو البيض من جهة، وهاني البيض وينوف البيض من جهة أخرى.

وقال الكاف: "هذا الاختلاف لا يعكس مجرد تباين في المواقف، بل يكشف عن تعدد عميق في تصورات المعنى ذاته: 'معنى الجنوب'، 'معنى القضية'، و'معنى المستقبل الممكن'."

إدارة الاختلاف

وأوضح الكاف أن هذا النوع من الخلافات يمكن أن يُحسن إدارة الاختلافات بدلاً من محاولة حسمها بشكل قسري. وطرح تساؤلاً مهمًا حول إمكانية أن تقدم أسرة علي سالم البيض، بحكم رمزيتها التاريخية، مثالًا يُحتذى في "إدارة الاختلاف"، ما يمهد لخطوة أولى نحو حوار جنوبي - جنوبي حقيقي.

وأضاف الكاف: "إن نجاح هذه الخطوة لن يكون حدثًا معزولًا، بل قد يشكل مدخلاً ضروريًا لإعادة بناء المجال السياسي على أسس أكثر واقعية وتعدداً، بما يفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة لليمنيين كافة."

مستقبل القضية الجنوبية

ختامًا، أكد الكاف أن الانتقال من سؤال "من يمثل؟" إلى سؤال أكثر عمقًا حول "كيف يمكن أن نؤسس لتمثيل يعترف بتعدديته وتنوعه دون أن يفقد قابليته للعمل؟" هو ما سيحدد مستقبل القضية الجنوبية. وقال: "السؤال الأساسي هو ما إذا كانت القضية الجنوبية ستظل أسيرة ماضيها أم ستكون قادرة على إعادة إنتاج ذاتها في أفق جديد دون أن يقود ذلك إلى صدام مسلح آخر."