أدب وثقافة

رواية «القبو»… العجائبي في خدمة نقد الواقع العراقي


       

 

«فردَّ عليهم «صوتٌ داخليٌّ هادر بيقينٍ ثقيل: دائما هناك نور»، بهذه العبارة تنتهي رواية «القبو» (منشورات نابو 2026) لأحمد سعداوي، هذه الرواية التي تأخذ المتلقي ليعيش مع شخصياتها بين عالمين، في عالم البين، مرافقا شخصياتٍ مغرقة في الواقعية وأخرى، أو هي نفسها هذه الشخصيات، الهائمة في عوالم الخيال والجنّ، انطلاقا من الشانزليزيه حيث يظهر الصوت نفسه لوِسام في بداية الرواية أيضا، وبعد صفحتين، مع «موشِلنه» الجدّ الأول، وقصته وقصة اسمه، وزواجه من هيلة، التي تعترف له بأنها منذورة للطنطل إحفيّظ، ولكنه على الرغم من ذلك يتزوّجها، وتبدأ الحكاية.


هناكَ دائما نور، والقبو الذي سكنه رحمن بداية، ومن بعده رضا، والقصة مبنية على سكن «رضا» الطويل فيه، القبو الذي بُنيَ مصادفة، ولكن بابه وكل ما يتعلق فيه في ما بعد، لم يكن بيد أصحابه من الإنس، بل كان مْنيجِل الجنّيّ، وقصته طويلة في الرواية، هو المقرّر في ساعات الحسم النهائية.


كثيرة هي الأفكار التي تراود المتلقّي وهو يقرأ، وعندما ينتهي من القراءة كما يحصل الآن معي، فيجد نفسه تائها بين ما يريد الحديث عنه بالفعل، والرموز الكثيرة، والعجائبيات والغيبيات، والواقعية والنقد السياسي والاجتماعي، والعلاقات الإنسانية العميقة والمؤثرة، كلها تجدها في الرواية، وكلها مترابطة بروابط خفية، كأنّ الجنّ بالفعل شاركوا سعداوي في حياكة قصصه.


موشلنه، وسبب تسميته كي يستمرّ بالحياة بعد وفاة كل من أنجبتهم والدته قبله، وهيلة التي اعترفت بأنّ علاقة لها بجنيّ موجودة، لا تعرّفنا الرواية بالكثير عنهما، لأنها أرادت أن تصل بنا إلى الحفيدة «إفطيّم» وبناتها، وقصتها وقصصهنّ وقصص عائلاتهنّ من بعدها، هذه القصص وهذه العائلات، التي تمرّ من خلالها قصص العراق وحروبه وأزماته، كأنها قصص هذه العائلة، الشيعية في الظاهر، والعراقية المتجذّرة في كل تفاصيل حياتها، اختار لها سعداوي مذهبا لوظيفة النصّ الواقعية، وأبعدها من خلال العلاقات مع الجنّ لوظيفة النصّ الخيالية والإيهامية، فكانت رواية «القبو» نسيجا عراقيّا، بل أوسع من ذلك وأعمق، في كل تفاصيلها.


بنات إفطيّم، زوجة الملا عبيد الأعمش، كاشية ووبرية وسعدية وبسهن وهيهات، كلّهن من السحّارات، تظهر على أجسادهنّ وشوم السمكة، كما يعرف أبناء مجتمعهنّ، ولكنهنّ تزوّجن وأنجبنَ وعشنَ حياة طبيعية، إلى حدود كبيرة، وهنا دلالة من النصّ نفسه، على رمزية وإيحاء للمتلقي للتفكير بالعلاقة مع عالم البين والجنّ، وقراءة ما بين السطور والأفكار والأحداث حول رمزية هذه العلاقة وحقيقتها!


من يسكن القبو هو رضا، ابن وبرية، أما وسام فهو العائد مع بداية المظاهرات عام 2019، لأنه يعتقد أنّ أمه سعدية حبست 20% من روحه في زجاجة، ولا يستطيع أن يرفض العودة مهما حاول، رضا الذي اتّهم زورا بالقتل في التسعينيات على أيام نظام صدّام، فأخفاه والده وأمه في القبو، والذي يخرج منه عام 2003 مع سقوط النظام، ويحاول العودة إلى حياةٍ طبيعية، فيتزوّج من ابنة خالته، وينجب أيضا، حمّودي، الذي يظهر أيضا ويحضر في مواضع كثيرة من الرواية.


أبناء بنات إفطيّم الرجال خمسة، رضا ابن وبرية وقصته مع القبو، ووليد ابن كاشية الذي اتّهم بالفساد وحاول التقرب من وسام عندما عاد، ووسام ابن سعدية الذي يظهر له الصوت الداخليّ الهادر بيقين ثقيل، هؤلاء الثلاثة الذين حبسهم منيجل في القبو، كي يعترفوا ويطهّروا أنفسهم، وفي الفترة نفسها كان جابر ابن بسهن وجليل ابن هيهات يخوضان باندفاع ثورة على النظام الجديد والفساد تحت اسم «أبناء إفطيّم» وللتسمية رمزية تحتاج مقالا كاملا. ومعهم أسماء من العائلة نفسها مثل عبد اليمّة وإزهيرة جدة جابر..


في هور أمّ الزنابير تبدأ الحكاية، ولا تنتهي في بغداد، بل تبدأ حكاية الشباب الأربعة الجديدة من القبو نفسه، حيث «دائما هناك نور»، فمهما عشنا في القبو والظلام، لا بدّ من إيجاد النور، ولكن أسباب الاحتماء في «القبو» في بلادنا، حيث الديكتاتوريات تعيد إنتاج نفسها بمسميات وأسباب مختلفة، حيث يسيطر أمثال «الصرصور» و»أمير خوصة» ويعيثون فسادا وقتلا، ويصبح أمثال «أبو أثير» مسؤولين وبرلمانيين يهربون مع أول تهديد، هي أيضا تعود مع كلّ سقوط جديد وأمل جديد وثورة جديدة وتغيير ما، فالقبو سيبقى طالما هؤلاء وأمثالهم سيبقون متسلقين نحو استلام الحكم والتحكّم مع الأنظمة الجديدة التي تنشأ مع كل مرحلة، وما أكثر هذه المراحل في بلادنا!


الحكاية آسرة على الرغم من أنّ غير المؤمن بقصص الجنّ لا يقبلها في البداية، ولكنها رواية حديثة، كتّابٌ كثر جعلوا شخصيات وهمية أو أصوات خفية مرجعيتها أزمات وأمراض نفسية تتحكم بالشخصيات وأفعالها، ولكنّ السعداويّ أراد أن يكون أقرب إلى واقع الناس وإيمانهم، فملايين من أبناء بلادنا يؤمنون بالجنّ، لذا استحضره وأعطاه الأدوار تلك. وما باب القبو الذي تحكّم فيه منيجل، مع رضا ووسام ووليد، ومع الشباب الأربعة ليحميهم في النهاية، إلّا كالحال المتشابكة من الصراعات على الأبواب الحقيقية التي تحكم عقولنا، والصراعات بين الخير والشرّ في دواخلنا، خصوصا مع الأحداث غير المفهومة أسبابها ونتائجها في بلادنا، والتي تتكرر، وستستمر.

أمّا القصة الأكثر عمقا وتأثيرا بالنسبة لي، فكانت قصة جليل التي تنكشف في نهاية النص وأمه التي بحثت له عن جسد، وهنا تكثيف لحالات إنسانية كثيرة ظهرت في النصّ، للأمهات اللواتي فعلنَ المستحيل من أجل أبنائهنّ، ولكن قصة هيهات، التي لا يكون ظهورها كأخواتها متحكّما في سير الرواية، تكون هي القصة الأكثر تأثيرا بالوجدان والعاطفة، والأكثر «إنسانية» في عالم البين بين عالمي الجنّ والإنس.


سعداوي أرادها رواية عجائبية وواقعية في آن، ونجح في هذا الدمج وكان حرّا في اختيار الأحداث وإسنادها للعالمين وللقصتين، وحرّيته أنتجت نصّا ممتعا وفيه خفّة قد تشكّك المتلقي بقدرة الكاتب على إنتاج عوالم جديدة، ولكنّه كان دائما يعطي التنقل بين العوالم حقها، فلا يسيطر الأسطوريّ إن جاز التعبير والديني والماورائي، إلا أنّ حضوره كان لغايات فنية، وقد أدّى واجبه وأكثر.


كثيرة كانت الشخصيات والقصص، ولو لم تنته الرواية بشجرة العائلة لتاهَ القارئ، لأنها كانت مرجعا لطيفا وذكيّا من الكاتب، الذي يعرف نصّه دارسا له وعارفا تفاصيل الصعوبات فيه، أما تلك الكثرة فكانت مقبولة ومتقنة، لأنها رواية تؤرّخ لحقبة، وإن بأسلوب متفرّد وجديد. ولكن مأخذا لي كان على النصّ، وهو حين حبسَ منيجل الرجال الثلاثة في القبو، فكنت أريد أن أسمع أكثر منهم، ولم أكتفِ بالكمّ الذي اعترف فيه كلّ منهم، وأظنها كانت فرصة لو أنّ الكاتب أعطاها مساحة على حساب قصة منيجل نفسه، ولكانت نقطة أقوى تحتسب للرواية، وهو رواية عنوانها «القبو».


إنها رواية عن القبو الذي ما زلنا نسكنه، وعن العوالم التي يلجأ إليها أبناء بلادنا ليجدوا الخلاص، ولكنهم يتعلقون بما يبقيهم عالقين في عوالم أكثر تشعّبا وتداخلا وأخطر من المواجهة، أما المواجهة نفسها، ومتى يحين دورها الفعليّ، ومن سيقوم بها بشكل فعلي، فهي أسئلة كثيرة، ولا أظنّ أنّها، ولتكون خلاصا بالفعل من القبو ومن عوالم الهروب، ستتحقّق في مدى منظور! غير أنّ الثابت الوحيد أنه دائما هناك نور!

منير الحايك - كاتب لبناني