أخبار وتقارير

محلل سياسي: المقاربات الإقليمية في اليمن عمّقت التفتت وأعاقت بناء الدولة


       
قال المحلل السياسي اليمني فارس الحضرمي، الباحث بمعهد استقرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن تطورات الأزمة اليمنية لا تزال تتواصل في ظل تداخل أدوار إقليمية ودولية متعددة، مشيرًا إلى أن طبيعة المقاربات التي تم اعتمادها منذ اندلاع الحرب عام 2015 لا سيما تلك التي قادتها السعودية كان لها تأثير مباشر على شكل المشهد الحالي، الذي يتسم بتعدد مراكز القوى واستمرار حالة التفتت السياسي والعسكري.
 
وأضاف الحضرمي أن النهج الذي تبنّته المملكة العربية السعودية منذ بداية العمليات العسكرية ركّز على إعادة بناء سلطة مركزية في اليمن، عبر دعم الحكومة المعترف بها دوليًا بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي، إلى جانب تقديم دعم عسكري لقوى محلية متعددة، موضحًا أن هذه المقاربة السعودية انطلقت من افتراض إمكانية إعادة تشكيل نظام سياسي موحد من خلال الضغط العسكري.
 
وأشار إلى أن هذا التوجه يعكس خللًا هيكليًا أوسع في طريقة إدارة الملف اليمني، حيث سعت السياسة السعودية إلى فرض نموذج مركزي في بيئة تتسم تاريخيًا بطابع لامركزي، تتوزع فيها موازين القوى بين فاعلين قبليين ومناطقيين وسياسيين، مؤكدًا أن تجاهل هذه الطبيعة أسهم في تعقيد المشهد بدلًا من احتوائه.
 
وأكد الحضرمي أن الجمع بين دعم سلطة مركزية من قبل السعودية وتمكين فاعلين مسلحين خارج إطارها خلق حالة من التناقض، قائلاً: «هذا النهج المزدوج أدى إلى نتائج عكسية تمثلت في زيادة التفتت المؤسسي بدلًا من تحقيق التماسك»، مشددًا على أن تعدد الفصائل المسلحة واختلاف هياكل القيادة بينها أفرز واقعًا أمنيًا قائمًا على تعدد مراكز القوة دون إطار موحد.
 
ونوّه إلى أن الاعتماد الكبير على الأدوات العسكرية من قبل التحالف الذي تقوده السعودية، خاصة الضربات الجوية إلى جانب قوات برية غير منسقة، لم يحقق الهدف المنشود، بل ساهم في تعميق هذه الديناميكيات، لافتًا إلى أن الرهان على الضغط العسكري لإنتاج وحدة سياسية لم ينعكس على الأرض، حيث برزت قوى متنافسة تعمل بشكل متوازٍ.
 
وأوضح أن الأبعاد الأيديولوجية كان لها دور إضافي في تعقيد المشهد، مشيرًا إلى أن إدخال أطر دينية وفكرية ارتبطت بسياسات خارجية من بينها السياسات السعودية أسهم في تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية، في وقت كانت فيه الحاجة قائمة لبناء إطار سياسي جامع في بيئة تعاني أصلًا من انقسامات ممتدة.
 
وفي سياق متصل، ذكر المحلل السياسي أن الرياض سعت في عام 2022 إلى إعادة ترتيب المشهد عبر دعم تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، باعتباره إطارًا يهدف إلى توحيد القوى المناهضة للحوثيين وتوفير سلطة انتقالية لإدارة المرحلة، كما عملت على تعزيز الاعتراف الدولي به، منوهًا إلى أن المجلس واجه تحديات ميدانية كبيرة تمثلت في صعوبات بسط النفوذ واستمرار التباينات بين مكوناته.
 
وأشار إلى أن المجلس ورث في الواقع حالة التفتت التي كان يُفترض أن يعالجها، موضحًا أن فكرة «هندسة الشرعية من الأعلى» التي شكّلت جزءًا أساسيًا من المقاربة السعودية لم تنجح في السياق اليمني، حيث إن الشرعية يجب أن تنبع من توافق داخلي لا أن تُفرض خارجيًا.
 
وعلى صعيد آخر، لفت الحضرمي إلى بروز المجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل رئيسي في جنوب اليمن، حيث تمكن من إدارة بعض المناطق وتحقيق مستوى نسبي من الاستقرار الأمني، موضحًا أن صعوده يعكس مطالب سياسية وتاريخية مرتبطة بوضع الجنوب قبل عام 1990، إلى جانب اعتبارات اقتصادية وتنموية، وهو ما يعكس استمرار التباين في الرؤى حول شكل الدولة اليمنية.
 
وأشار إلى أن هذا الواقع تزامن مع تباين واضح في مواقف أطراف التحالف، حيث دعمت دولة الإمارات العربية المتحدة المجلس الانتقالي الجنوبي انطلاقًا من تقييمها لدوره العسكري والإداري، في حين واصلت السعودية دعم مجلس القيادة الرئاسي، معتبرًا أن هذا التباين لا يقتصر على الخلافات السياسية، بل يعكس رؤيتين مختلفتين لطبيعة الدولة في اليمن بين المركزية واللامركزية.
 
وشدد الحضرمي على أن تهميش الفاعلين المحليين المؤثرين يؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية، محذرًا من أن استبعاد القوى المتجذرة على الأرض بدلًا من دمجها يسهم في تعميق الانقسام وإطالة أمد الصراع، مؤكدًا أن محاولات من بينها تلك المرتبطة بالسياسة السعودية لبناء سلطة مركزية في بيئة منقسمة ستظل تواجه تحديات مستمرة.
 
واختتم الحضرمي تصريحاته بالتأكيد على أن آفاق الحل في اليمن تظل مرهونة بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على تبني مقاربة واقعية تأخذ في الاعتبار طبيعة التوازنات القائمة، وتعمل على دمج مختلف القوى ضمن إطار سياسي شامل، مشددًا على أن الاستقرار المستدام لا يمكن فرضه من الخارج، بل يجب أن ينبع من الداخل، محذرًا من أن استمرار الاعتماد على نماذج خارجية مفروضة سيبقي اليمن عالقًا في دائرة ممتدة من الصراع والتفتت.