أخبار وتقارير

معاناة المختطفين والمخفيين قسراً تتفاقم وسط دعوات لتدويل الملف


       

يواجه أهالي المختطفين والمخفيّين قسراً في اليمن عزلة اجتماعية تضاعف آلامهم وقهرهم على أحبّةٍ مجهولي المصير منذ أكثر من عشرة أعوام، وسط مناشدات بتدويل الملف لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

لم يكن الأول من سبتمبر/ أيلول 2015 يوماً عادياً في حياة عائلة الجرادي في صنعاء. ففي ذلك اليوم، وبينما كان الطالب الجامعي صهيب الجرادي يستعد لخوض امتحان مادته الأخيرة في كلية الإعلام، كانت يد الاختطاف تترصده لتفتح فصلاً من فصول العذاب استمر أكثر من عشرة أعوام. لم تكتفِ جماعة الحوثيين باختطاف صهيب، بل عادت بعد عامٍ لتختطف شقيقه يونس ووالدهما، تاركةً خلفها والدة تصارع الفقد والانتظار خلف قضبان المحاكمات السياسية وأحكام الإعدام.

وتروي والدة المختطفَين، يونس وصهيب، تفاصيل مريرة عن رحلة استمرت أعواماً. وتقول لـ"العربي الجديد": "أكثر من عشرة أعوام ونحن نعيش الفقد والانتظار، نسهر الليالي، نصارع الآلام والأحزان. عشنا أصعب لحظات حياتنا حين اختُطف صهيب وهو يستعد لإنهاء فصله الدراسي الثاني؛ ستة أشهر من الإخفاء، لا نعلم فيها إن كان حيّاً أو ميتاً، ولماذا يُختطف طالب لم يشارك يوماً في جبهات القتال؟".

وتضيف الوالدة: "بعد معركة طويلة، علمنا بوجوده في جهاز الأمن السياسي (الأمن والمخابرات حالياً) في منطقة حدة جنوب غربي صنعاء. سمحوا لنا بالزيارة لاحقاً، لكنها كانت زيارات مثقلة بالإجراءات التعسفية والضغوط النفسية التي لا تُحتمل".

لم تكد العائلة تستوعب صدمة صهيب، حتى امتدت يد الاعتقال في سبتمبر 2016 لتنال من الابن الثاني يونس، بالتزامن مع احتفال العائلة بنجاحه في الثانوية العامة بمعدل 83%. وتقول الوالدة المفجوعة: "تكرّر السيناريو نفسه؛ إخفاء وتعذيب، ثم انتهى الأمر بمحاكمة ظالمة قضت بإعدام يونس ضمن قائمة شملت 36 مختطفاً، وهو الحكم الذي لا يزال منظوراً أمام محكمة الاستئناف التابعة للحوثيين حتى اليوم، بينما حُكم على صهيب بالسجن 15 عاماً في نهاية 2024".

ورغم جولات المفاوضات المتكررة وصفقات تبادل الأسرى التي شهدتها الأزمة اليمنية، ظلّ صهيب ويونس خارج كلّ الصفقات، ما ضاعف شعور العائلة بالخذلان. ورغم اختلاف الجهات المسيطرة، يبقى القاسم المشترك بين حالات الاختفاء غياب المسار القانوني، وانعدام القدرة على معرفة أماكن الاحتجاز أو زيارة المعتقلين. هكذا تتقاطع قصص أسر المختطفين والمخفيين في الشمال والجنوب رغم اختلاف الجغرافية والجهات المسؤولة؛ يسكن تلك العائلات ألم واحد، بينما تتشبّث بخيط واحد من الرجاء. فطوال سنوات الحرب، صارت عمليات الاختطاف والإخفاء ممارسة متكررة في اليمن سواء بهدف الترهيب أو لانتزاع اعترافات أو ضمن الصراع السياسي والعسكري المستمر.

ومع هذه المعاناة، تتشكل ضغوط نفسية هائلة على الأمهات والزوجات اللواتي يجدن أنفسهنّ في مواجهة عبء استثنائي يتمثل بتبدل الأدوار داخل المنزل وانهيار التوازن الأسري. كثير من الأمهات والزوجات في اليمن اضطررن إلى العمل للمرة الأولى لإعالة أسرهنّ، فيما تفرغت أخريات للتحرك الحقوقي وتنظيم الوقفات الاحتجاجية التي غدت من أهم أدوات الضغط السلمية في البلاد. وفي إحاطتها السنوية لعام 2025، وثّقت منظمة "مواطنة لحقوق الإنسان" 564 واقعة احتجاز تعسفي و88 واقعة إخفاء و87 واقعة تعذيب. وتحمّل المنظمة الحوثيين المسؤولية عن هذه الوقائع.

ويمثل الصحافي عبد الخالق عمران نموذجاً لمعاناة المختطفين، إذ اختُطف مع بداية الحرب في اليمن وأُخفي ثمانية أعوام لدى الحوثيين، تعرّض خلالها للتعذيب الجسدي والنفسي، وصدر بحقه حكم بالإعدام، قبل أن يُفرج عنه في إطار صفقة تبادل في إبريل/ نيسان 2023. وبعد خروجه، سخّر تجربته القاسية للدفاع عن حقوق المختطفين والمخفيين.

ويروي عمران لـ"العربي الجديد" أن أمهات المختطفين في مناطق الحوثيين يواجهن "جريمة إذلال مُمنهجة" تبدأ بالمحاكمات الصورية وأحكام الإعدام المُعدّة سلفاً، وتصل إلى الابتزاز المالي والتعذيب النفسي عبر تقييد الأبناء أمام أمهاتهم خلال الزيارات المحدودة، ما تسبب بوفاة أمهات قهراً قبل رؤية أبنائهن أحراراً. ويؤكد أن الجماعة تستغل عواطف الأمهات ورقةَ ابتزاز سياسي، وتعمد إلى تشويههنّ إعلامياً وقمع اعتصاماتهنّ، معتبراً مزاعم الحوثيين بأن الصمت الإعلامي يُسرّع الإفراج عن المعتقلين أنّها تهدف إلى طمس الجريمة والتغطية على الانتهاكات. وينتقد عمران تقصير الحكومة الشرعية في تدويل الملف، مشدداً على ضرورة تحويل قضية المختطفين إلى "قضية وطنية جامعة" تتجاوز الانقسامات. ويؤكد أن هذه الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وأن كسر دائرة الصمت الدولي هو السبيل لإنهاء معاناة آلاف الأسر".

بدورها، تقول رئيسة رابطة أمهات المختطفين والمخفيّين أمة السلام الحاج لـ"العربي الجديد"، إنّ غياب المعلومة الحقيقية عن مصير الأبناء هو أكثر ما يثقل معاناة الأمهات في اليمن وخصوصاً لدى الأسر التي اختُطف أبناؤها على يد الحوثيين. وتوضح أن هذا الغياب يضاعف من صعوبة دور الرابطة في طمأنة الأهالي أو تقديم مؤشرات حول مصير المحتجزين، ما يدفع الأمهات إلى التمسك بالأمل ومواصلة الضغط لكشف الحقيقة.

وتشير الحاج إلى لقاء جمع الرابطة أخيراً بأمهات المختطفين وذويهم في وادي آل جبارة بصعدة شمالي البلاد، حيث تتجلى المأساة في فقدان الأبناء وغياب الاعتراف الرسمي بهم، وتنصّل الجهات التي جنّدتهم من مسؤولياتها. وترى أن "هذه الحالات تمثل نموذجاً لانعكاسات الحرب التي حوّلت اليمنيين إلى وقود لصراعات متعددة. الأمهات نجحن في تحويل قضية المختطفين إلى قضية رأي عام، بعدما تطور أداء العديد من العضوات ليصبحن قياديات في الجوانب الحقوقية والنفسية والإدارية. الرابطة باتت قوة ضغط لا يمكن تجاوزها، والأمهات يواصلن متابعة الملف حتى تحقيق العدالة، وجبر الضرر ومحاسبة المتورطين، والوصول إلى منظومة قانونية في اليمن تحترم حقوق الإنسان".

وفي 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، خرج عادل حداد من منزله في عدن متوجهاً إلى مديرية الشيخ عثمان، يحدوه الأمل في تسلّم نصف راتب يُعين أسرته على مواجهة مشقّة الحياة. لم يعلم عادل، وهو الموظف في الدائرة المالية بالمنطقة العسكرية الرابعة، أن جولة الكراع شمالي عدن ستكون المحطة الأخيرة في حياته المدنية قبل أن تبتلعه غياهب الإخفاء. تقول زوجته، الناشطة الحقوقية أروى فضل، لـ"العربي الجديد": "اتصلت بي شقيقتي تسأل عن عادل، أخبرتني أنها سمعت أصوات صراخ وضجيج عبر هاتفه قبل أن يُغلق تماماً". وبحسب شهود عيان، أُوقف عادل وصديقه من قبل نقطة أمنية، ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره.

لم تكتفِ أروى بالانتظار؛ فبعد أيام من الخوف والقهر، تحوّلت إلى صوت المخفيين. وتقول: "كان الخبر في البداية يبدو عادياً، ظننت أنه مجرد تحقيق وسيعود بطل المقاومة إلى منزله، لكن الأيام صارت سنوات، ولم أسمع صوته أو أشاهد طيفه منذ عقد تقريباً". انضمت أروى إلى رابطة أمهات المختطفين والمخفيين، وصارت متخصصة في الرصد الميداني وباحثة في اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان. تتبع خيوط الأمل من خلال شهادات المُفرج عنهم الذين أكدوا تنقل زوجها بين سجون عدة، لكنها تأسف لضعف موقف الحكومة والمنظمات الدولية في ملف المخفيين، إذ لا يوجد أي تحرك حقيقي، وتضيف: "هناك عراقيل واضحة في النيابة والقضاء، ويجب على الحكومة أن تتحرك في هذا الملف، وأن تُحيل المعتقلين إلى قضاء نزيه، وتُعيد التحقيق معهم".

وفي تقريرها عن عام 2025، تشير "هيومن رايتس ووتش" إلى أن الحوثيين في اليمن أطلقوا منذ 31 مايو/ أيار 2024 حملة اعتقالات واسعة استهدفت موظفي منظمات مدنية ومنظمات غير حكومية وسفارات أجنبية، واحتجزوا 69 موظفاً أممياً حتى نهاية 2025 من دون السماح لهم بالاتصال بأسرهم أو بمحامٍ. ويلفت التقرير إلى أن جميع أطراف النزاع اعتقلت المحتجزين تعسفاً مع تعذيبهم وإخفائهم.