أخبار وتقارير

من الهدر إلى الحوكمة.. قراءة في أبعاد خطوة وزارة الاتصالات لتنظيم الطيف الترددي السيادي


       

قال الكاتب السياسي عدنان بن عفيف ان الدول التي تدار بعقلية الدولة لا تعد ملفات الاتصالات شأنا فنيا هامشيا بل تعامل باعتبارها جزءا من السيادة الوطنية والامن الاقتصادي والتحول المؤسسي ومن هنا يمكن قراءة الخطوة الاخيرة التي قادها معالي الاستاذ الدكتور شادي باصرة والمتمثلة في انجاز مسودة لائحة الاطياف الترددية بعد اكثر من سبعة وعشرين عاما من الجمود بوصفها واحدة من اهم الخطوات الاصلاحية التي شهدها قطاع الاتصالات اليمني منذ عقود. 

 

 

واضاف الكاتب في سياق طرحه ان الحديث هنا لا يتعلق بمجرد تحديث لائحة او تعديل اداري روتيني بل بملف ظل لعقود اسيرا للفوضى والارتجال والتداخلات غير المنظمة حتى تحولت الترددات وهي ثروة سيادية وطنية الى مساحة مفتوحة للهدر واستنزاف الايرادات وضعف الرقابة وغياب الحوكمة حيث بقي هذا الملف الحيوي خارج نطاق التطوير الحقيقي منذ عام 1999 رغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم في تقنيات الاتصالات والفضاء الرقمي والاقمار الصناعية وخلال تلك السنوات دفعت الدولة ثمنا باهظا نتيجة غياب التنظيم الفعال للطيف الترددي سواء من حيث ضياع الايرادات او التداخلات الفنية وضعف البيئة التنافسية. 

 

 

واشار بن عفيف الى ان ما حدث اليوم يحمل دلالة مختلفة تماما فالوزارة بقيادة الدكتور شادي باصرة لم تكتف باعادة فتح الملف بل ذهبت نحو تاسيس رؤية تنظيمية جديدة تعيد الاعتبار لمفهوم السيادة الرقمية وتؤسس لمرحلة اكثر احترافية في ادارة الموارد التقنية للدولة وهي خطوة تعكس فهما عميقا لطبيعة التحولات الحديثة حيث اصبحت ادارة الطيف الترددي جزءا من قوة الدولة الاقتصادية والتنظيمية وليس مجرد ملف تقني محدود التاثير مؤكدا ان التوقيت يمنح الخطوة اهمية كبرى في ظل الانتقال العالمي نحو اقتصاد البيانات والمدن الذكية مما يجعل تحديث اللوائح ضرورة وطنية لحماية السوق ورفع كفاءة الموارد العامة. 

 

 

واوضح الكاتب ان هذه الخطوة تبعث برسالة مهمة مفادها ان الاصلاح الحقيقي يبدأ من الملفات الصامتة التي تمس جوهر بناء الدولة الحديثة فحين تنظم الترددات وتضبط آليات التسعير وتُحمى الموارد السيادية من العبث فان الدولة تستعيد جزءا من قدرتها على فرض النظام والمؤسسية ويحسب للدكتور شادي باصرة انه اختار الاقتراب من الملفات الثقيلة والمعقدة بدلا من الاكتفاء بالادارة التقليدية اليومية للوزارة فنجاح اي مسؤول يقاس بقدرته على تحريك الملفات الراكدة وكسر الجمود الاداري وتحويل المؤسسات من حالة التسيير الى حالة البناء والتطوير. 

 

 

واختتم عدنان بن عفيف بالقول انه اذا كانت هذه اللائحة تمثل بداية نهاية فوضى الطيف الترددي فانها في الوقت ذاته تمثل اختبارا مهما لقدرة مؤسسات الدولة على الانتقال من عقلية ادارة الازمة الى عقلية بناء النظام وفي المحصلة فان ما تحقق في وزارة الاتصالات يمثل نموذجا لما يمكن ان تصنعه الارادة الادارية حين تقترن بالكفاءة والرؤية فالدول لا تبنى بالشعارات وانما بالقرارات الشجاعة التي تعيد تنظيم الموارد وتحمي المصالح العامة وتفتح الطريق امام المستقبل.