في ظلال الذكرى الثانية لرحيل المناضل أحمد مساعد حسين



 



دخلتُ شبوة في ظلال الذكرى الثانية لرحيل المناضل أحمد مساعد حسين، باقدار قاسية ضربت خيام الحزن في قلبي، موغلة في احتلاله، و دخول شبوة برمتها في صمتٍ حزين يشبه الحداد الممتد من البر إلى البحر، معيدا تشكيل مزاجها العام بصورة او باخرى، بعض النظر عن لهثها الجنوني على المحروقات النفطية، بشعار قاتل المهم توفرها ولا تنقطع، ولا بأس ان سعرها ارتفع.


و ضاعفت الاحداث التي شهدتها المحافظة بحلول هذه الذكرى من احزان قلبي، وتوالت عواصفها عليه بدون انقطاع، من بيحان الذي قتل فيها جندي على ايادي صديقه، لتفقد نصاب العزيزة على تداعياته  ثلاثة من أسرته دفعة واحدة في حادثة مأساوية، إلى ريد الصعيد، التي اشتعلت فيها نار الفتنة بين الاخوة الاعداء، عاجزة لغة الاحزان للتعبير عنها او وصفها لتأكل الاخ وابن الاخ وابن الاخت، في خيرة ديار الاهل من ال عبدالله بن دحة، لتحل على مرمى حجر منهم مأساة قتلة اخرى في وادي حبان، الى الحوطة المفجوعة بوفاة شقيقين في لحظة واحدة، المرجع الشيخ مسعد بابريش واخيه محسن، وصولًا إلى بئر علي الساحلية، بعد مقُتل شخص وأُصيب آخرون. ولم تكن عدن بمنى عن رائحة الدم، لتصحوا كعادتها على صرخة من اعماق المجهول على نبأ مقتل طائرها المهاجر، وسام قائد الذي عاد على جناح الشوق لها، وهو من الجيل الثاني من نوارسها المستوطنة في بريطانيا. ذاهبة كالعادة في غيها بتباع نعاق مشروع الخراب عليها من ذات الجحر الذي لدغها الف مرة لا مرتين، مدمنة على الوجع والالم والاحزان مثلي.


هكذا رسم مشهد الدم في ظلال ذكرى رحيل المناضل احمد مساعد، باقدار ربانية صرفة لا يد لبشر فيها، وكانت بامتداد الجغرافيا، وبحجم قلبي، لدرجة شعرت فيها بان الأرض نفسها لم تجد فرصة لالتقاط أنفاسها بين خبر محزن وآخر حزين.


في ظل هذا التتابع القاسي للمآسي، لم تكن الكتابة عن ذكرى ذلكم الثائر الوطني المناضل احمد حسين، ممكنة كما ينبغي، إذ بدا الحزن أكبر من الاختصار في سطور، وأثقل من جهود الاستعادة،  فكل حدث يجرّ وراءه ظلًّا جديدًا من الأسى، لتدخل ايامنا نفسها في ظلال احزان لا حدود لها، على حدة انشغال الناس بهمومهم عنها، جاهلين بان سفك الدم الحرام سبب من اسبابها.


وفي ذلك المناخ الملبّد، وجدتني أؤجل الكتابة عن رجلٍ مخلدٍ اسمه في سجل السياسة والوطن، كواحدٍ من أبرز وجوه محافظة شبوة، وفاعلًا أساسيًا في مسار الحركة الوطنية في جنوب اليمن خلال مراحل التحولات العاصفة، من زمن الحكم الشمولي إلى فضاء الوحدة اليمنية بما حملته من تعقيدات وأحلام وانكسارات.


برز اسم أحمد مساعد حسين في سياق سياسي معقّد، اتسم بصراعات داخلية حادّة وتحولات كبرى في بنية الدولة والمجتمع. وكان من القيادات التي لعبت دورًا فاعلًا في تلك المرحلة، سواء ضمن العمل الثوري أو في مواقع المسؤولية لاحقًا. وقد ارتبط اسمه بتجربة سياسية مثيرة للجدل، كغيره من رموز تلك الحقبة، التي اتسمت بطابع أيديولوجي صارم وممارسات قاسية تركت آثارها العميقة في المجتمع حتى اللحظة.


ورغم الجدل الذي أحاط بتلك المرحلة، فإن مسيرته شهدت تحولات لافتة، خصوصًا مع قيام الوحدة اليمنية، حيث بدا توجهه واضحًا نحو مراجعة التجربة السابقة، والانخراط في مشروع وطني أوسع. وكان من بين الشخصيات التي تبنّت هذا التحول، وشاركت في الدفاع عن الوحدة والعمل في إطارها السياسي.


وعلى المستوى الشخصي، لم تكن صورته كما رسخت في الأذهان المرتبطة بالصرامة. فقد أتيحت لي فرصة التعرف عليه عن قرب، و للاسف الشديد المطلوب وضع الف خط تحتها،


خلال الثلاث السنوات الأخيرة من حياته، لاكتشف جانبًا إنسانيًا مختلفًا عنها، يتسم بالبساطة والصدق، يغاير الصورة التي استقرت في أذهان الكثيرين عنه لعقود طويلة.


ومع مرور الوقت، بدأت أقترب أكثر من ملامح ذلك السياسي الرهيب، الذي يبدو مخيفًا في نظر البعض، ويخفي في اعماقه قلب طفل صغير، يضحك ببرأة صادقة لا اصطناع فيها، كلما سألني عن سبب ابتعادي عنه خلال سنوات توليه مواقع المسؤولية، خاصة بعد الوحدة. وكنت أجيبه بصراحة أن مجرد ذكر اسمه كان يبعث في داخلي شيئًا من الرهبة،  لتتغير فجأة مواقفي من الرجل الذي شغل دنيا السياسة وحياة الناس، على حجم ظلمهم الجائر له، مقيدين باحكامهم المسبقة والمغلوطة عن حياته التي اتسمت ببساطة أصيلة، وحرص واضح على أن انعكاسها فيمن حوله.


وربما تمكنت في مقالاتي التحليلية السابقة عن شخصية المناضل احمد مساعد، التالية لمعرفتي المباشرة به، من العثور على طرف الخيط من شخصية هذا المناضل الذي يمثل الصف الاول من القيادات التاريخية، والوصول الى قرارة نفسه الطيبة، و التماس في ثناياها، اقتراب اعترافها بشجاعة نادرة، بتراجعها المبكر عن منهجية الرفاق، وان ظل حبيس افكارها و هواجسها ردحا من الزمن، لخطورتها البالغة على حياته.


وكان عام 2018، اول معرفتي المباشرة بالرجل الذي يمثل جوكر الثوار واللعبة السياسية في جنوب اليمن، وحرصت على الاقتراب أكثر من تجربته، واكتشاف جوانب من معدنه السياسي الوطني النقي، وصدق نواياه، و ندمه الواضح على محطات هامة من  تجارب الحكم الشمولي. وقد فاجأني في آخر لقاء جمعني به في بيت مدير أمن المحافظة السابق، العميد عوض ذيبان، قبيل سفره لإجراء فحوصات طبية، بطلبه المفاجئ والمتوقع، كتابة مذكراته، في إشارة إلى رغبته في توثيق تجربته الطويلة بكل ما حملته من أحداث وتحولات. غير أن هذا المشروع لم يكتمل، إذ وافته المنية في 29 أبريل 2024.


يمثل رحيل أحمد مساعد حسين خسارة لشخصية سياسية عاصرت مراحل مفصلية في تاريخ الجنوب واليمن عمومًا. وبين مؤيد لتجربته وناقد لها، تبقى سيرته جزءًا من ذاكرة مرحلة لا تزال آثارها حاضرة بعنف حتى اليوم.


وسبق ان خضت غمار كسر حاجز الصمت عن هذه المراحل المسيجة بحرمة الحديث عنها، في عمل توثيقي، جرئ للفضائية اليمنية، بدعم ورعاية مباشرة من معالي الاستاذ حسين باسليم ابان توليه قيادتها العام 12م. وتمكنت من توثيق ثلاث حلقات نارية عنها، وذات ارتباط عميق بحياة الزعيم، الوطني اليمني الجنوبي، سالم ربيع علي.

وكنت على وشك الوصول للصندوق الاسود للزعيم، معالي عضو مجلس الشورى اللواء الشيخ حسين السعدي، و الذي اصيب حينها بحادثة وفاة ولده العائد من المملكة العربية السعودية. ليبقى الباب مشرعا لقادة المرحلة بضرورة المبادرة في كشف المستور عنها، حتى لا تدخل عنوة في عالم النسيان، لضيق مساحة اعمارهم اطال الله بها.
عدن الغد