اليمن في الصحافة

اختفاء المشرفين وتخفيف الجبايات.. محاولات حوثية لامتصاص الغضب الشعبي واستباق مواجهة إقليمية مرتقبة


       

تشهد العاصمة المختطفة صنعاء هذه الأيام ازدواجية في سلوك الجماعة الحوثية المسيطرة عليها فبينما تتصاعد الإجراءات الأمنية ويختفي عدد متزايد من قادتها ومشرفيها عن الأنظار يلمس السكان تغيراً محدوداً في تعامل بعض المؤسسات العامة شمل تخفيفاً نسبياً للإجراءات الإدارية وتوسعاً في توزيع المساعدات الاجتماعية.

 

 

وأثارت هذه التحركات الحوثية حالة من التوجس لدى السكان من احتمال وقوع أحداث عاصفة في حين لم يمتد أثر تغير السلوكيات إلى جوهر السياسات الاقتصادية حيث استمرت عمليات التحصيل المالي بمستويات مختلفة ويرى كثير من الأهالي أن التوفيق بين التشدد الأمني وتخفيف الضغوط المعيشية يعكس مسعى لاحتواء الشارع بالتزامن مع تزايد احتمالات الانخراط في مواجهة إقليمية جديدة.

 

 

ونقلت مصادر مطّلعة لصحيفة الشرق الأوسط أن المئات من عناصر الجماعة من قيادات الصفوف الدنيا والمقاتلين والمشرفين الميدانيين بدأوا في التواري عن الأنظار داخل الأحياء ولم يتبقَّ سوى المكلفين بالمهام التنفيذية المباشرة وإدارة المرافق والمؤسسات العامة أو التابعة للجماعة.

 

 

وذكرت المصادر ذاتها أن المسؤولين عن إدارة هذه المرافق اتخذوا من جانبهم تدابير أمنية تمثلت في تغيير المقرات السكنية وتقليل التحركات في الشوارع والأحياء بشكل لافت.

 

 

ويأتي اختفاء هذه القيادات واتخاذ الاحتياطات الأمنية المشددة في ظل أجواء التصعيد البحري الذي مارسته الجماعة بالتزامن مع التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران.

 

 

وتحاط القيادات العليا للجماعة منذ سيطرتها على صنعاء بأسوار أمنية عالية تمنع أي جهة من تحديد أماكن إقامتها وهي التدابير التي تضاعفت خلال العامين الأخيرين عقب تلقي الجماعة ضربات أمريكية وإسرائيلية نتيجة تصعيدها خارج الحدود.

 

 

وتسبب تواري القادة والعناصر الحوثية عن الفضاء العام في مضاعفة المخاوف لدى السكان من اندلاع مواجهة شاملة يدفنون فيها ما تبقى من استقرارهم ومعيشتهم المتردية أصلاً.

 

 

وشبه العديد من سكان صنعاء الحالة الراهنة بأجواء دخول الجماعة إلى المدينة قبل اثني عشر عاماً وأحداث المواجهات التي اندلعت بينها وبين الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح في ديسمبر ألفين وسبعة عشر والتي انتهت بمقتله.

 

وتحدث أهالي المدينة لصحيفة الشرق الأوسط عن قلقهم البالغ من وقوع تطورات تزيد من حدة المعاناة المعيشية معتقدين أن الجماعة تجهز لإجراءات غير معلنة رغم محاولة عناصرها الميدانيين والموظفين إظهار الهدوء ومحاولة إبداء حسن النية.

 

 

ووفقاً لشهادات السكان فإنه يسهل ملاحظة التناقض بين محاولات الجماعة تقديم تطمينات بتحسين الخدمات وترتيب الأوضاع المعيشية والأمنية وبين عمليات التحشيد والتعبئة وتجنيد المقاتلين باستخدام أساليب الترهيب والترغيب إلى جانب تكثيف الاحتياطات الأمنية والرقابة الاعتقالية.

 

 

وتسعى الجماعة إلى تهدئة الانفعالات العامة عبر تحسين أسلوب التعامل داخل الدوائر الرسمية والمحاكم وأقسام الشرطة رغم التشدد الأمني الذي مارسته مؤخراً ولا سيما عقب حادثة الطائرة الإيرانية التي نقلت وفداً حوثياً من طهران وأدى دخولها الأجواء اليمنية إلى تجدد التصعيد مع ارتفاع حدة التوتر الإقليمي.

 

 

ويرجح مراقبون أن هذا التحسن المحدود في تقديم الخدمات ومحاولات الجماعة تلطيف الأجواء يهدفان إلى امتصاص أي احتقان شعبي محتمل جراء تفاقم الأزمات المعيشية خصوصاً مع تزايد احتمالات استئناف المواجهات العسكرية مع القوات الحكومية.

 

 

وبحسب المصادر ورصد الشارع فقد تجسد هذا التغير في تسهيل المعاملات وحل النزاعات داخل بعض المحاكم وأقسام الشرطة إضافة إلى إبداء مرونة لترميم الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والصحة وتسهيل الإجراءات الشخصية للمواطنين.

 

 

وأفاد أحد السكان لصحيفة الشرق الأوسط بأن الهيئة العامة للزكاة التابعة للجماعة وسعت مؤخراً قائمة المستفيدين من المساعدات المالية والعينية لتشمل شريحة أكبر بعد أن كانت مقتصرة في السابق على المنتمين للجماعة أو الحاصلين على توصيات خاصة.

 

 

وأوضح المواطن أنه حصل بشكل غير متوقع على مساعدة مالية لعلاج طفله بعد أشهر من الانتظار المعقد الذي شهد خلاله تخصيص المساعدات للمقربين من المشرفين والقيادات.

 

 

وفي السياق نفسه ذكر طالب دراسات عليا في جامعة صنعاء أن سائقي مركبات النقل العام يلاحظون استجابة مختلفة من رجال المرور وتراجعاً في ممارسات الابتزاز المال التي كانت تمارس بحقهم سابقاً.

 

 

وأكد أحد المحامين وجود تحول ملموس في مسار الإجراءات داخل المحاكم والنيابات وأقسام الشرطة تمثل في تقليل حدة التعامل والحد من التحصيلات المالية غير الرسمية واقتصارها على الرسوم المقرة بقرارات سابقة.

 

 

وأشار إلى أن الجماعة كانت قد فرضت خلال السنوات الماضية رسوماً مرتفعة على قضايا التقاضي وخصوصاً التجارية والمواريث والعقارات مبيناً أن المبالغ التي كانت تُحصَل سابقاً بشكل غير رسمي كانت تتجاوز النسب المقررة بكثير.

 

 

وبين غياب القيادات وتراجع الجبايات وتحسن المعاملات لا ينظر أهالي صنعاء إلى هذه التغيرات بوصفها انفراجة حقيقية بل يرون فيها تمهيداً لمرحلة أكثر اضطراباً ويعتقدون أن الهدوء الراهن ما هو إلا استراحة تسبق أحداثاً عاصفة.