خمسة أشهر بلا رواتب والامتيازات لا تتوقف.. جنود في الجبهات وأصحاب الإعاشات في الفنادق وسط تساؤلات عن عدالة مجلس القيادة الرئاسي (تقرير)
تقرير - عين عدن - خاص :
تتسع معاناة منتسبي المنطقة العسكرية الرابعة وبعض المناطق العسكرية مع دخول الشهر الخامس دون رواتب في مشهد يضع حياة آلاف الجنود وأسرهم أمام ضغوط معيشية قاسية. وفي الوقت الذي ينتظر فيه العسكري راتبه لتوفير أبسط احتياجات أسرته تتصاعد انتقادات نشطاء ومحللين وصحفيين لما يصفونه بمفارقة مؤلمة تتمثل في استمرار صرف الإعاشات والمخصصات والامتيازات لإعلاميين وسياسيين وشخصيات مرتبطة بمؤسسات السلطة ومجلس القيادة الرئاسي بينما تتأخر مستحقات قوات يطلب منها البقاء في مواقعها والاستعداد للجبهات.
ويرى منتقدون أن استمرار هذا الوضع يكشف خللا كبيرا في ترتيب الأولويات. فالجندي الذي أفنى سنوات من عمره في ميادين القتال يجد نفسه اليوم عاجزا عن توفير متطلبات أسرته الأساسية في ظل انهيار العملة وارتفاع الأسعار بينما لا تبدو الأزمة بالحدة نفسها لدى المستفيدين من الإعاشات والامتيازات.
ويطرح هذا الواقع سؤالا يتردد بقوة في أوساط العسكريين وأسرهم حول الكيفية التي يمكن بها مطالبة الجندي بأداء واجبه الوطني والصمود في الجبهة بينما يظل خمسة أشهر بلا راتب. وكيف يمكن تبرير استمرار أوجه إنفاق ومخصصات أخرى في الوقت الذي ينتظر فيه العسكري أبسط حقوقه المعيشية.
جنود بلا رواتب ومخصصات لا تعرف الانقطاع
يرى نشطاء ومحللون أن أزمة الرواتب لم تعد مسألة تأخير مالي عابر بعدما بدأت منذ سنوات بصورة متقطعة ثم تحولت إلى معاناة متكررة وصلت اليوم إلى خمسة أشهر من الانتظار. ويشيرون إلى أن الراتب الأساسي للجندي الذي يتراوح بين 60 و180 ألف ريال يمني فقد جزءا كبيرا من قيمته الشرائية نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار حتى أصبح عاجزا عن تغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ورغم تواضع قيمة الراتب يبقى هذا المبلغ نفسه بعيدا عن يد صاحبه لأشهر. وفي المقابل تتصاعد التساؤلات بشأن الإعاشات والمخصصات والامتيازات التي يقول منتقدون إنها تستمر لصالح سياسيين وإعلاميين وشخصيات مقربة من دوائر السلطة. كما ينتقدون ما يعتبرونه إنفاقا سخيا على الإقامة والسفر والفنادق في وقت يعيش فيه جنود وأسرهم تحت وطأة الديون والحاجة.
ويؤكد هؤلاء أن المشكلة لم تعد مرتبطة بقيمة الراتب وحدها بل بمبدأ العدالة في توزيع الموارد وتحديد الأولويات. إذ لا يستقيم أن تكون مستحقات الجندي آخر بند ينتظر المعالجة بينما تستمر بنود أخرى بصورة أكثر انتظاما. كما أن التفاوت في انتظام رواتب بعض التشكيلات العسكرية مقارنة بغيرها يزيد مشاعر الغبن ويفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن المعايير التي تحكم توزيع المستحقات المالية.
مجلس القيادة أمام سؤال الأولويات والعدالة
يواجه مجلس القيادة الرئاسي انتقادات متزايدة بشأن مسؤوليته عن معالجة ملف الرواتب باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطا باستقرار القوات ومعيشة أسرها. ويتساءل منتقدون كيف يمكن للقيادة أن تطلب من أفراد القوات المسلحة التوجه إلى الجبهات ورفع الجاهزية وتحمل مخاطر المواجهة بينما يبقى الجندي خمسة أشهر من دون راتب.
ويعتبر مراقبون أن العسكري ليس رقما في كشف مالي بل أب يعيل أسرة وإنسان لديه التزامات يومية لا تتوقف بتوقف الراتب. كما أن تأخير مستحقاته شهرا بعد آخر يبعث برسالة قاسية مفادها أن احتياجاته ليست ضمن الأولويات. وهي رسالة يرون أنها أكثر خطورة من الأزمة المالية نفسها لأنها تضرب الروح المعنوية وتوسع دائرة الإحباط داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم صدور توجيهات سابقة بصرف الرواتب كاملة ودون خصميات ووجود وعود متكررة بمعالجة المتأخرات فإن الواقع ما يزال مختلفا عن تلك الوعود. فالتحويلات عند حدوثها تبقى متقطعة ومتأخرة ولا تنهي أصل المشكلة. ومن هنا تتجه الأنظار إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة للمطالبة بتفسير واضح لأولويات الإنفاق ومراجعة أي مخصصات غير ضرورية قبل ترك العسكري وأسرته يواجهون أعباء المعيشة بلا دخل لأشهر.
أوقفوا نزيف الامتيازات وأنصفوا من يقفون في الجبهات
يؤكد صحفيون ومحللون أن معالجة القضية تحتاج إلى قرارات فعلية تبدأ بإعطاء رواتب القوات أولوية قصوى وإعلان جدول زمني واضح لصرف جميع المتأخرات وضمان انتظام الرواتب مستقبلا. كما يطالبون بمراجعة الإعاشات والمخصصات والامتيازات التي تستنزف المال العام ولا تمثل أولوية أمام حقوق العسكريين والموظفين.
ويرى هؤلاء أنه ليس من المقبول أن يتحمل الجندي انهيار العملة وغلاء المعيشة وتأخر راتبه ثم يطلب منه في الوقت ذاته أن يبقى مستعدا للذهاب إلى الجبهة بينما يرى آخرين ينعمون بالمخصصات والإقامة والسفر والامتيازات. وهذه المفارقة تضع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة أمام اختبار حقيقي للمسؤولية والعدالة. فالأولوية ينبغي أن تكون لمن يؤدي واجبه ويقف في الميدان ويعيل أسرة تنتظر راتبه.
وبات ملف الرواتب قضية كرامة قبل أن يكون قضية مالية. فكل شهر إضافي من التأخير يعني مزيدا من الأسر المثقلة بالديون ومزيدا من العسكريين الذين يشعرون بأن تضحياتهم لا تقابل بالإنصاف. ولذلك فإن المطلوب ليس وعدا جديدا بل صرف المتأخرات ومحاسبة أسباب التعثر وإعادة ترتيب الإنفاق بحيث يكون حق الجندي مقدما على الكماليات والامتيازات. فالكرامة لا ينبغي أن تتحول إلى إعاشة والواجب الوطني لا يمكن أن يبقى طريقا باتجاه واحد يدفع فيه الجندي ثمن الحرب بينما ينتظر أبسط حقوقه.