ثروة بلا دولة



أسوأ ما يمكن أن يحدث في بلد غني ليس أن تنفد ثروته، بل أن تبقى الثروة موجودة ويظل المواطن فقيرا في الخدمات.

في أحد البيوت، لا يبدأ الأب يومه بسؤال: ماذا سأفعل اليوم؟

يبدأ بسؤال آخر هل تكفي البطارية حتى الليل وهل سيصل الماء هذا الأسبوع وهل يستطيع دفع فاتورة العلاج إذا مرض أحد أبنائه وهل يستطيع تحمل مصاريف المدرسة؟

هذه ليست تفاصيل صغيرة في حياة المواطن. هذه هي الحياة نفسها.

والمفارقة أن هذا المواطن لا يعيش في بلد بلا موارد. بل يعيش في بلد لديه النفط والغاز والثروة السمكية والزراعية والحيوانية والموانئ والموقع الجغرافي، ومرت خلال السنوات الماضية عبر مؤسسات الدولة إيرادات وأموال كان يفترض أن تتحول إلى خدمات وبنية تحتية واقتصاد منتج.

لكن شيئا ما لا يعمل كما ينبغي.

ولذلك أعتقد أن اختصار المشكلة في كلمة "فساد" مش كافي

الفساد موجود، وسوء الإدارة موجود، والمشاريع المتعثرة موجودة، والمحاصصة موجودة، لكن القضية أعمق من كل ذلك.

فنحن أمام تحول تدريجي في وظيفة الدولة..من دولة تقدم الخدمة إلى دولة تجمع المال، ثم تترك المواطن يبحث عن الخدمة في السوق.


وهنا تبدأ المأساة.

الدولة التي تجعلك تدفع مرتين

خذ الكهرباء مثال على ذلك

فالدولة تنفق على الكهرباء، والمواطن يدفع ما عليه من رسوم واستهلاك وضرائب وإيرادات غير مباشرة، ثم تنقطع الكهرباء.

ماذا يفعل..اكيد يشتري ألواح شمسية ثم بطاريات ثم شاحن ثم ماطور.وقود ثم يدفع للصيانة.

أي أنه يدفع للدولة لكي توفر له الكهرباء، ثم يدفع للقطاع الخاص والسوق لأن الدولة لم توفرها.

هذه ليست فاتورة كهرباء. هذه فاتورة دولة.

والماء ليس أفضل حالا..فحين يصبح وصول الماء إلى المنزل مرتبط بجدول انتظار أو صهريج أو خزان احتياطي، فإن الماء لم يعد مجرد خدمة عامة.

لقد تحول إلى سلعة يشتريها المواطن كلما فشلت الشبكة في الوصول إليه.

وفي الصحة، لم يعد المرض امتحان للجسد فقط بل امتحان للجيب.

فالمستشفى الحكومي موجود، لكنه يعاني.والقطاع الخاص موجود، لكنه يكلف المواطن ما قد لا يملك.وقد يتحول مرض فرد واحد إلى كارثة مالية تهدد استقرار أسرة كاملة.


وفي التعليم، يتكرر المشهد فالمدرسة الحكومية موجودة، لكن الأسرة التي تريد تعليمًا جيدًا قد تدفع للمدرسة الأهلية، ثم تدفع للمدرس الخصوصي، ثم تتحمل عشرات المصاريف الأخرى.

وهكذا، بدل أن تقدم الدولة خدمة مكتملة، تقدم خدمة ناقصة، ثم تترك المواطن يدفع كي يكملها.

وهذا هو جوهر المأساة.فلا تسموا الانسحاب خصخصة

هناك فرق كبير بين الخصخصة وبين انسحاب الدولة فالخصخصة الحقيقية تعني أن يدخل القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي ضمن قوانين واضحة، ومنافسة، وتنظيم، ورقابة، وحماية للمستهلك.

أما أن تتراجع الدولة عن تقديم الخدمة الأساسية، ثم تقول للسوق تفضل واملأ الفراغ.فهذه ليست خصخصة..هذا انسحاب.

فحين يبني القطاع الخاص مستشفى حديثا إلى جانب مستشفى حكومي قوي، فهذه شراكة ويصبح المستشفى الخاص الملاذ الوحيد لمن يريد علاج محترم فهذه ليست شراكة.

إنها نتيجة لفشل الخدمة العامة..وحين تكون المدرسة الأهلية خيار إضافي. فهذا أمر طبيعي.لكن حين يصبح التعليم الأهلي والدروس الخصوصية شرط للحصول على تعليم جيد، فالمشكلة ليست في المدرسة الأهلية.انما في المدرسة الحكومية.وحين تكون المواطير والشواحن والبطاريات حل احتياطي فلا مشكلة.لكن عندما تصبح جزء من النظام الكهربائي الفعلي للمدينة، فعلينا أن نسأل السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه..أين الدولة؟!!!

أين ذهبت الثروة؟


هذه هي النقطة التي يجب أن نخرج عندها من نقاش الكهرباء والماء والرواتب، وننظر إلى الصورة الأكبر.

محافظاتنا المحررة ليست فقيرة بالموارد.

إذن لماذا لا نرى أثر هذه الموارد في حياة الناس؟

والسؤال الذي لا يريد أحد مواجهته أن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة غنية ليس أن تنفد أموالها.

فالأخطر أن تبقى أموالها موجودة، بينما تتآكل قدرتها على تحويل هذه الأموال إلى حياة أفضل.

عندها تتحول الدولة إلى ما يشبه صندوق مالي ضخم تجمع الإيرادات ودفع الرواتب وتمول المشاريع وتعيد توزيع المال لكنها لا تبني بالضرورة اقتصادا منتجا، ولا خدمات عامة تليق بحجم الثروة.

وهنا يصبح السؤال أكبر من الفساد وأكبر من المحاصصة.وأكبر من الكهرباء والماء والصحة والتعليم.

السؤال هو ماذا بقي من الدولة، حين أصبح المواطن مضطرا إلى شراء معظم ما يحتاجه منها؟

فإذا كانت الثروة موجودة، والمال موجود والموارد موجودة، والإنفاق موجود.لكن المواطن ما زال يدفع مرتين كي يعيش حياة طبيعية، فالمشكلة لم تعد مشكلة نقص في الموارد..إنها مشكلة في النظام الذي يحول الموارد إلى نتائج.

بلدنا لا يعاني من فقر الثروة بل يعاني من فقر تحويل الثروة إلى دولة.

وأسوأ ما يمكن أن يحدث لبلد غني أن يتحول نفطه وثرواته من وسيلة لبناء المستقبل إلى مجرد وسيلة لتمويل استمرار الحاضر.

وفي النهاية، قد لا يكون المشهد الأكثر قسوة هو بيتا بلا كهرباء.

بل ذلك الأب الذي يجلس آخر الشهر، يفتح محفظته، ويحسب ما دفعه للكهرباء والماء والعلاج والتعليم، ثم يكتشف أنه دفع للدولة، ودفع للسوق، ودفع من عمره وراحته أيضًا.

يرفع رأسه نحو أطفاله..لا يريد رفاهية..ولا يريد دولة مثالية.

بل يريد فقط حياة طبيعية.

وحين تصبح الحياة الطبيعية نفسها خدمة يجب على المواطن أن يشتريها من ماله الخاص، فهنا لا يعود السؤال: أين ذهبت الكهرباء؟ أو أين ذهب الماء؟ أو أين ذهبت الأموال..؟!! بل يصبح السؤال الأعمق: أين ذهبت الدولة؟